الحديث » المؤمنين بأن القرآن غير مخلوق ، على عكس المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن « 1 » ، أو تلقوه من الجهمية ، برغم أن القرآن هو الأساس الوحيد لعقيدتهم كذلك . وتحت رعاية المأمون نجحوا في رفع القول بخلق القرآن إلى مرتبة عقيدة الخلافة ، وذلك في سنة 827 م ، وأجبر الناس على الاعتراف بها تحت الرقابة والتفتيش ، ولكن الخليفة المتوكل ( 847 - 861 م ) الثالث بعد المأمون أزال سلطان المعتزلة المطلق « 2 » تحت تأثير الشافعية . ولم يكد يمضى جيل حتى ظهر الرجل الذي وضع السلاح الفلسفي للمعتزلة في خدمة السنة النبوية ، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، ولد سنة 260 ه / 873 م بالبصرة ، من أسرة عربية عريقة شريفة ، وظل تابعا للجبائى المعتزلي ( انظر فيما مضى ص 31 ) حتى الأربعين من عمره ، ويقال إن أول معارضته لآراء شيخه كانت في شهر رمضان سنة 280 ه / 912 م . ويرى أتباعه أن هذه المعارضة ترجع إلى أسباب شخصية . وفي الحقيقة أن تقاليد أسرته « 3 » ، مرتبطة بالوضع السياسي في عصره ، قد حركته إلى الانضمام إلى الشافعية .
ثم ارتحل إلى بغداد ، حيث قام بنشاط أدبى خصب جدا ، ولقد عرف له من الأعمال تسعة وتسعون كتابا ، من بينها كثير من الرسائل القصيرة . وترجع مكانته المرموقة إلى التوفيق بين طريقة الجدل ومذهب السنة ، وكسب رضى الشافعية خاصة ، في حين أن الحنفية أخذوا تعاليم الماتريدي التي لا تختلف في الأصل عن تعاليمه ( انظر ص 41 فيما يلي ) .
ولقد اعترف بآرائه وحججه في علم التوحيد في البلاد التي ساد فيها مذهبا الشافعية والمالكية ، وإن اعترضتها في بعض الأحيان ردود فعل أثرت عليها ،
هامش
( 1 ) يرجع ابن الأثير ( في الكامل 7 / 24 سطر 6 وما بعده ) القول بخلق القرآن إلى أثر يهودي ؛ إذ قال إن طالوتsaulابن أخت لبيد الأعصم اليهودي ، معاصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، قال بخلق التوراة .
( 2 ) في سنة 279 ه / 892 م حرم الخليفة في بغداد على الوراقين بيع الكتب التي تتناول علم الكلام والجدل والفلسفة . انظر : الطبري 3 / 2131 .
( 3 ) كان جده الأعلى - أبو بردة المتوفى سنة 103 ه / 722 م - راوية مرموق المكانة .