الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج البلاغة ، يشتمل على عشرين مجلّدا ، فأثابهما وأحسن جائزتهما .
وكان ممدوحا مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء . . إلى أن قال :
وكان مؤيّد الدين الوزير عفيفا عن أموال الديون وأموال الرعيّة ، متنزّها مترفّعا ، قال : وكان خواصّ الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه . كان الخليفة يعتقد فيه ويحبّه ، وكثروا عليه عنده ، فكفّ يده عن أكثر الأمور ، ونسبه الناس إلى أنه خامر وليس ذلك بصحيح ، ومن أقوى الأدلّة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة ، فإن السلطان هولاكو لمّا فتح بغداد ، وقتل الخليفة سلّم البلد إلى الوزير ، وأحسن إليه ، وحكمه . فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه .
حدّثني كمال الدين أحمد بن الضحّاك ، وهو ابن أخت الوزير مؤيّد الدين بن العلقمي ، قال : لمّا نزل السلطان هولاكو على بغداد أرسل يطلب أن يخرج الوزير إليه . قال : فبعث الخليفة فطلب الوزير فحضر عنده وأنا معه ، فقال له الخليفة : قد أنفذ السلطان يطلبك وينبغي أن تخرج إليه ، فخرج الوزير من ذلك ، وقال : يا مولانا إذا خرجت فمن يدبّر البلد ومن يتولّى المهام ، فقال له الخليفة : لا بدّ من أن تخرج ، قال : فقال السمع والطاعة .
ثمّ مضى إلى داره وتهيّأ للخروج ثم خرج . فلمّا حضر بين يدي السلطان وسمع كلامه وقع بموقع الاستحسان . وكان الذي تولّى تربيته في الحضرة السلطانية الوزير السعيد نصير الدين محمد الطوسي ( قدّس اللّه روحه ) ، فلمّا فتحت بغداد ، سلّمت إليه وإلى علي بهادر الشحنة فمكث الوزير شهورا ثم مرض ومات رحمه اللّه في جمادى الأولى سنة 656 « 1 » .
هامش
( 1 ) الفخري / 248 - 249 .