تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
شهوة سوء ، وخاصية النفس التي للادمى ما يتميز به عن البهائم ، ولم يتميز بها بقوة الأكل والوقاع بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه ، وأصل الأشياء موجدها ومخترعها الذي جعلها شيئا هو اللّه تعالى ، فإذا عرف كل شئ ولم يعرف اللّه تعالى فكأنه لم يعرف شيئا ، فان الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم واندرست في هذه الأعصار واشتغلوا بتوسيط الخلق في الخصومات الثائرة من اتباع الشهوات وقالوا : هو الفقه ، وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين من جملة العلوم ، وتجردوا لفقه الدنيا الذي ما قصد به إلا رفع الشواغل ليتفرغ لفقه الدين ، وكان فقه الدنيا من فقه الدين بواسطة هذا الفقه . وفي بعض الكتب : اعلم أن القلب في الحقيقة بمنزلة القالب في الشريعة ، ولا معوّل إلا على القلب ، لأنه موضع نظر اللّه تعالى إليها ، كما قال عليه السلام « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم - الخ » فللقلب علل وأمراض مثل أمراض الأشخاص ، فان القلب إنسان حقيقي وله من الأعضاء حقائق ، فللقلب رأس يحيى به كما يحيى البدن برأسه ، فإذا جز رأس البدن لا يحيى فكذلك القلب ، ورأس القلب إدراكه لطائف الغيب ، وهذا الإدراك ينقسم مثل انقسام حواس الرأس ، وأقسامه البصيرة والتذكر والمراقبة والتميز والتفكر ، فالبصيرة عين القلب ، والتذكر لسان القلب ، والمراقبة سمع القلب ، والتفكر خيال القلب ، والتميز تجاربه وفعله ، فإذا أراد تعالى بعبد خيرا فتح عيني قلبه وشرح لسانه وسمع أذنه ، وإذا أراد اللّه بعبد شرا ختم على سمعه وبصره ومنعه عن إدراكاته ، وذلك المنع مرض روحاني يكون صداع القلب منه ، ومهما زاد تولدت الغفلة ، والغفلة للقلب بمنزلة الصرع ، وغلبة الظنون الفاسدة مثل الماليخوليا للرأس ، فان الرأس إذا يبتلى به يتخبط أعماله ، والقلب إذا انفعل بالظنون الفاسدة تظهر فيه تخبطات كثيرة ، ويصير كالمجنون المتحير الممنوع من معرفة اللّه تعالى وحسن