بها فرجع وأقام بدهلى في أمكنة عديدة يدور في محلاتها طالبا العزلة حتى أقام بغياث پور واشتغل بها بالمجاهدة من الصيام والقيام والذكر والفكر في الأربعينات على طريق السادة المشايخ الچشتية وكان شيخه فريد الدين أوصاه عند توديعه أن يحفظ القرآن الكريم وأن يصوم دائما وقال : إن الصوم نصف الطريق ، فلازمه وحفظ القرآن وانقطع إلى اللّه سبحانه بقلبه وقالبه مع الزهد والعبادة والعفاف والقنوع والتوكل والإيثار وسائر الأخلاق المرضية ، ولقد أحله اللّه تعالى من الولاية محلا لا يرام ما فوقه ، وهدى به في عهده ثم بأصحابه من بعده خلقا لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج ، فلا ترى ناحية من نواحي المسلمين من بلاد الهند إلا وقد نمت فيها طريقته وجرى على ألسنة أهلها ذكره ، إليه ينتمون وبه يتبركون .
وكان إماما مجاهدا زاهدا صاحب الترك والتجريد يقوم الليل ويصوم النهار ، لم ينكح امرأة ، ولم يبن دارا ، ولم يدخر شيئا ، ولم يرص بلقاء الملوك والسلاطين مع إلحاحهم على ذلك وشدة توقهم إليه ؛ قال الكرماني في « سير الأولياء » إن جلال الدين فيروز الخلجى كان يريد أن يلاقيه وهو يمنعه من ذلك ، فأراد أن يدخل عليه بغتة بغير إذن ، فلما اطلع الشيخ على ذلك خرج من دهلي وذهب إلى أجودهن قبل أن يحضر الملك عنده ، وكذلك أرسل إليه علاء الدين محمد شاه الخلجى كتابا يشتمل على بعض مهمات الأمور ودعاه يستشيره في بعض المصالح ، فأبى وقال : إن كان السلطان لا يحب أن أقيم في ملكه فيظهر ذلك من غير تورية فان أرض اللّه واسعة ، فأرسل إليه السلطان ابنه واعتذر من مخاطبته إياه في تلك الأمور واستأذن في حضوره لديه ، فأبى الشيخ ، ولما أصر السلطان على ذلك قال : إن في دارى بابين يدخل السلطان من باب وأخرج من الباب الآخر .
ومن ذلك ما روى أن قطب الدين بن علاء الدين الخلجى كان
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر — صفحة 121
مساهمون: عبد الحي بن فخر الدين الحسني
ص١٢١