وقال :
وقائلة أرى منك المحيا * يجل عن المحاسن والجمال
وشخصك للغنى أضحي عدوا * وحالك في الخصاصة شر حال
وتهجو من تشاء من الغواني * وتهزأ بالكثير من الرجال
فقلت لها عداك الفهم اني * بقولك يا أميمة لا أبالي
يسود المرء في أدب وعلم * وليس يسود في حسن ومال
فكم في الأغنياء أدلى وجوه * وسام غضة بيض صقال
تراهم صامتين لضعف فهم * بأندية المعارف كالبغال
وكم عبد فقير ذي علوم * يعلق في رؤوسهم المخالي
وقال في المؤلف :
لا ترى في علماء المسلمين * عالما كالمحسن السامي الأمين
سيد يعزى إلى خير الورى * وبنيه الطيبين الطاهرين
ملأ الأقطار من تأليفه * باذلا للنفس في علم ودين
ولقد أحسن في تصنيفه * فجزاه الله اجر المحسنين
ولعمري انه في عصرنا * زينة للعلماء العاملين
وقال هذه القصيدة يصف بها أحوال أهل الحرث وأهل المدن وأهل
البادية ، وقد نظمها سنة 1337 بعد رجوعه من رحلة إلى بصرى في
حوران :
أجيل بهذا الكون طرفي فلا أرى * كحالة أهل الحرث في سائر القرى
إذا ما أتى فصل الشتاء وأبطأت * سحائبه ، والغيث عنهم تأخرا
يقولون عند الله لم يبق رحمة * سنفنى بهذا العام من قلة القرى
وحين يرون المعصرات هواطلا * ووجه الثرى أضحى بحارا وأنهرا
يقولون إن الله جل جلاله * يريد بهذا العام ان يغرق الورى !
كذاك إذا جاء السحاب عليهم * باخر أيام الشتاء وأمطرا
يقولون جاء الصيف والزرع لم يزل * بغيطانه من كثرة الغيث أخضرا
وفي الصيف ان جاءت غيوم كثيرة * يقولون هذا الوقت لم قد تغيرا
وإن جاء حر لا نرى الشخص منهم * من الحر إلا شاكيا متضجرا
ويأتي الهوا الشرقي في القيظ مدة * فيغدو لعيش الكل منهم مكدرا
يقول الفتى الفلاح منهم إذا أتى * من الحرث عند العصر أشعت أغبرا
هنيئا لأهل المدن إذ ليس عندهم * مدى الدهر أشغال سوى البيع والشرا
فهذي على طول المدى كلماتهم * فيا رب هب لي من لدنك التصبرا !
وإن كنت تبغي وصف حالة عيشهم * فسلني تجدني بالحقيقة مخبرا
ترى كل فلاح يمر زمانه * ويمضي ولا تلقاه إلا مشمرا
وقد يتمنى الموت في البرد غالبا * إذا الماء من صم الصخور تفجرا
وقد يتمناه إذا الحر مسه * وجار عليه واغتدى متسعرا
يبيع من الغلات في كل موسم * كثيرا وتلقاه مدى الدهر معسرا
وأحوال دنياه تراها تأخرت * إذا ثوره يوما عن الحرث قصرا
وليس له هم بدنياه كلها * سوى الحرث مهما عاش فيها وعمرا
تراه مدى الأيام في خلواته * بأحوال مزروعاته متفكرا
فان أقبلت تلقاه أظهر عزة * وفاق بأنواع التبختر عنترا . . .
وإن أدبرت تلقاه في كل عامه * كئيبا لأنواع المذلة مظهرا
وعن جلساه ان تسلني ، فإنه * مدى العمر في كل المجالس لا يرى !
على أن حنجولا ونوار صنوه * لقد أغنياه عن معاشرة الوزى ! . . .
وانك مهما قلت فيه فقد حوى * فضائل طول الدهر لن تتغيرا
تراه بأثواب الدراويش قد غدا * لأعضائه بين الأنام مسترا
ويأكل من جنس الطعام ببيته * مع الأهل والأولاد مهما تيسرا
واما دعي يوما لاسعاف معدم * ضعيف معاذ الله ان يتأخرا
وان جاءه الأضياف في كل ليلة * فحاشاه ان يرتاع أو يتكدرا
يجيئون أفواجا فيلقون داره * مفتحة الأبواب محلولة العرى
ويلقون عند العصر قدرا مركبا * على النار مملوءا طبيخا محمرا
فيأتيهم وقت العشاء بقصعة * مجمعة تكفي من الناس عسكرا !
فما بال أهل المدن لم يتعلموا * سماحة سكان الرساتيق والقرى !
لقد بخلوا حتى كأني ببعضهم * يرون العطايا والضيافة منكرا
أولئك قوم يرهبون ضيوفهم * كما ترهب الأقوام من أسد الشري !
ألم تنظر الأبواب من كل دورهم * بتحصينها قد شابهت باب خيبرا ؟
فان دقها الأضياف لا يفتحونها * وقد حدودها خيفة ان تكسرا
ينادون في الأسواق من كل جانب * الأهل غريب جائع يشتهي القرى
وإن أطعموه وقعة يسلبونه * من المال ما يكفيه للأكل أشهرا . . . !
وان كان فيهم ذو سخاء فإنه * يعد سخيا في المدينة مضمرا
يجود وصحن الفول غاية جوده * وليس بمعذور إذا ما تعذرا
أناس إذا ما أصبح الشخص منهم * تراه على المرآة أضحى مبكرا
فيجدل شعر الرأس من بعد غسله * ومن بعد ذا يسقيه ماء معطرا
ويمضي لنيل الأنس في وسط قهوة * بها غضب الرحمن أضحى مقررا
فيصحبه الشيطان فيها وربما * سقاه من المشروب ما كان مسكرا
ويسرف فيها بالقمار فيغتدي * على ماله بين الورى متحسرا
وتلقاه كالمجنون ينفض ثوبه * إذا ما مشى كي لا يراه مغبرا
كذا يمسح الطربوش في كل ساعة * ليبقى نقي الشكل واللون احمرا
فهذي صفات الأكثرين لأننا * نرى فيهم أهل الجهالة أكثرا
عسى الله ربي ان يتوب عليهم * ويعفو عمن تاب منهم ويغفرا
وفيهم رجال مسلمون إذا غدا * مؤذنها عند الصباح مكبرا
تراهم أفاقوا للصلاة وغيرهم * إلى الظهر يبقى لا يفيق من الكرى
تحن إلى تقوى الإله نفوسهم * ولا تشتهي في العمر خمرا وميسرا
وفيهم مسيحيون يخشون ربهم * وقد صعدوا في المكرمات إلى الذرى
وكم فيهم تلقى طبيبا وكاتبا * أديبا بأحوال الورى متبصرا
إذا قيل أهل البدو أحسن ، أم هم * أقول لهم أين الثريا من الثرى !
لحى الله سكان القفار فإنني * لقد رحت في أوصافهم متحيرا
فان قلت هم أهل السماحة والندى * أرى البخل أمسى في الجميع مؤثرا
وكل امرئ منهم أراه إذا دعي * إلى البذل عن عاداته متغيرا
وان قلت أنواع الشجاعة كلها * بها ذكرهم في الكتب أضحى مسطرا
أرى عزمهم بالحرب في كل موقف * كليل عن العهد القديم مقصرا
وان قلت قد حاز الفصاحة لفظهم * أراه بهذا العصر أضحى مكسرا
ولست أرى فيهم سوى كل خامل * تردى بثوب أزرق وتأزرا
هامش
( 1 ) حنجول ونوار من أسماء البقر عند الفلاحين .