لسان المسجد الأقصى ينادي * ويدعو الشيخ منكم والغلاما
بني السمر المريعة والمواضي * إلى م أنتم فرق إلى ما
دعوا الاحياء واعتزلوا البوادي * وهاتيك المنازل والخياما
دعوا طيب الكرى فالنوم أضحى * على أجفان قومكم حراما
دعوا الأهواء واعتصموا جميعا * بحبل الله وانتظموا انتظاما
وخلوا الخيل في البيداء تعدو * إلى أن تملأ الدنيا قتاما
فعهدي انكم أصحاب بأس * شديد لا تهابون الحماما
وعهدي ان للأعراب بيضا * صقالا تجلب الموت الزؤاما
وعهدي ان جارهم عزيز * وجار العرب حاشا أن يضاما
متى كان اليهود لهم وقار * متى نالوا من الأمم احتراما
متى ركبوا المضمرة المذاكي * متى عرفت أكفهم الحساما
متى رفع اليهودي بين قوم * بكل حياته رأسا وهاما
أيتخذ اليهود بلاد عيسى * واحمد في الدنا لهم مقاما
وتملك آل شمعون ديارا * مقدسة تكون لهم عصاما
وأنتم في الوجود وليس يلغى * بكل عديدكم الا الهماما
وأنتم أهل عز ما عرفتم * بكل زمانكم ذالا ولاما
فقوموا وأحرقوا الأحياء منهم * ومن أجداث قومهم العظاما
لقد بعث النجيب لكم مقالا * عساكم تسمعون له كلاما
وقال لما تفاقم امر العطش في جبل عامل :
قلب الجنوب من الظما قد ذابا * والطفل فيه من الحوادث شابا
والفقر حكم في جميع جهاته * من جلده الأظفار والأنيابا
والمحل فيه قد أناخ مطيه * جهرا وشد بأرضه الأطنابا
وبنوه من حر الظماء لديهم * عذب المياه قد استحال عذابا
يا شاعر الشعب الذليل الا انتحب * حزنا عليه ومزق الأثوابا
وارث الجنوب بما تراه مناسبا * بين الأنام وأسمع النوابا
قوم لقد ظن الجنوب ببعضهم * خيرا ولكن ظنه قد خابا
ما آن ان ينسوا زغاريد النسأ * والمدح والتصفيق والأطنابا
لكنهم من بعد نيل مرادهم * لم يحسبوا لهم بذاك حسابا
كأس الحياة صفا لكل موظف * منهم هناك وعيشه قد طابا
حقا لقد حفظ المعاش بجيبه * لكنه قد ضيع الأصحابا
نبذ الوفا وجميع اخوان الصفا * وغدا يغني بعد ذاك عتابا
ومن طرائفه قوله :
رب شيخ قد غدا مفتتنا * بفتاة عقله منها انبهر
قد حكت سمر القنا قامتها * صاح لكن عقلها يشكو القصر
وإذا أبصرتها يوما ترى * جسمها أشبه شئ بالبقر
قد رمته بسهام اللحظ من * مقلة حولا كميزان الجزر
ليت شعري ما الذي قد شاقه * عندها حتى رآها كالقمر
سألتها البعض من جاراتها * أتحبين علي قالت : فشر
وقال يصف حالة القرى وحياة أهلها وما فيها من بؤس وشقاء :
أبى الدهر إلا أن يكون محرما * علي بلوع المجد طول حياتي
فألزم شخصي بالإقامة في قرى * أرى أهلها للضيم غير أباة
إذا رمت يوما ان أسير لغيرها * يثبط لي عند السرى خطواتي
كأن له عندي ذخولا كثيرة * وثارات آباء له وتراث
وكيف الترقي في القرى بين معشر * ذوي غلظة غبر الوجوه جفاة
أحاديثهم في كل وقت بدينهم * وزرعهم والحرث والبقرات
ويروون ما للزير في سهراتهم * وعنترة العبسي من غزوات
وكم في الليالي يطربون بدقهم * على الأرغل المشهور والقصبات
وطبخهم المعدود للآكل برغل * مضاف إلى الفولات والعدسات
وقد جعلوا الخرنوب والتين عندهم * بكل أوان أفخر السنوات
وأغناهم من لا تجوع عياله * وأولاده في أغلب السنوات
وأكثرهم أن ضيق لم يلف عنده * طعام سوى الخبزات والبصلات
وأما تسلني عن صفات بيوتهم * فتلك لعمري مجمع الحشرات
ترى الغار فيها لا يزال معشعشا * له عائلات غير منحصرات
وحيطانها بالزعفران تخالها * ملطخة من كثرة الدخنات
والبس نسج العنكبوت سقوفها * رداء يواري سائر الخشبات
وأصبح تعليم الصنائع عندهم * حراما على الفتيان والفتيات
وكلهم بالفهم لا فرق بينهم * وبين وحوش البر في الفلوات
فهذا مع الفدان يذهب عمره * وذاك مع العنزات والغنمات
وآخر يقضي عنفوان شبابه * ولوعا بطابات له وكرات
وهذي مع الحراث تصلح حرثه * وتلك لجلب الماء والحطبات
وهاتيك للأسطبل في كل بكرة * أعدت لكنس الزبل والقذرات
وأعقب هذه القصيدة بقصيدة يخاطب بها الأثرياء :
لا تحسبوا أهل الفلاحة انهم * لكم من الخدام والغلمان
بل فاعلموا ان العماد عليهم * بمعاشكم في أكثر الأحيان
يتقلب الفلاح حولا كاملا * بين المتاعب في شقا وهوان
حتى إذا جمع الحبوب يجيئكم * مثل الأسير بغلة الفدان
فيطول بينكم الجدال وبينه * كي توصلوه لأبخس الأثمان
فيبيعكم والمال يذهب بعضه * بعد المبيع لصاحب القبان
والبعض يرميه إذا رام القرى * بخزانة الطباخ والفران
والبعض يذهب في سبيل دوابه * لفتى مقيم منكم في الخان
والبعض يذهب في طلاء جماله * حتما عليه لبائع القطران
وكذلك البيطار يأخذ سهمه * وكذا المحدد ضارب السندان
وإذا بقي من بعد ذلك درهم * في الكيس كان لصاحب الكوشان
وقال وقد سرقت عمامته في شهر رمضان بقرية كان أهلها دائمي
الشجار :
لقد وجبت مذمة أهل . . . * لتركهم المروءة والشهامة
لو أن لهم كبعض الناس دينا * لما سرقوا لشيخهم العمامة
فلا دين ولا شرف لديهم * ولا لهم على الحق استقامة
ولا عرفوا لبارئهم حلالا * ولا اجتنبوا لجهلهم حرامه
لعمري ان شهر الصوم وافى * فما أدوا كغيرهم صيامه
بلى جعلوا أوائله حروبا * ونهب العمة البيضا ختامه
أقمت بربعهم زمنا طويلا * فيا بعدا لهاتيك الإقامة
لو أني بين أظهر قوم عاد * أقمت لنلت أنواع الفخامة
سالت الله يخرجني سريعا * من الأرض الذميمة بالسلامه
أعيان الشيعة — صفحة 214
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢١٤