بالدخول وأمر الغلمان بفتح الأبواب أمامها وكانت ذات قدر عظيم عنده ، مسموعة الكلمة لأنها من بنات الملوك ، ولما دخلت على الملك خرت له ساجدة فقال لها الملك : ارفعي رأسك فأنت المقربة المرضية وحاجتك عندي مقضية ، فرفعت رأسها ، وأخذت في الثناء عليه بقولها : أيها الملك دام لك العز والبقاء ، وألبست ثوب النعمة والرخاء ، لم تزل لي مكرما ولقضاء حاجتي مسرعا ، وإن عبدي العبراني قد استعصى عليّ وأحب أن تأذن لي بحبسه في سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين ، فقال لها : قد أجبتك وجعلت أمر السجن بيدك فانطلقي فأطلقي من شئت واحبسي من شئت فأخذت إذنه ورجعت إلى منزلها وأمرت بإحضار الحدادين إليها فمثلوا بين يديها فقالت لهم إني أريد أن تصنعوا لي قيدا محكما لعبدي يوسف العبراني . فقالوا : أيتها الملكة المطاعة في أمرها العظيمة في قومها إنا نرى بدنا ناعما وساقا رقيقا ووجها أنيقا ، وأنه ربي بنعمة كاملة وعافية شاملة فكيف يقوى على حمل القيد الحديد الثقيل ؟ فقالت : قيدوه وهذا لا يعنيكم . فقال يوسف : افعلوا ما أمرتكم به فإني من أهل بيت البلاء . فقيدوه وحملوه على الأكتاف وانطلقوا به إلى السجن وتسامع الناس به فأقبلوا إليه من كل مكان حتى غصت الطرقات وصاروا ينظرون إليه ويقولون إنه عصى سيدته الملكة وهو منكس رأسه يقول :
هذا خير من عصيان رب العالمين .
فلما وصلوا به إلى السجن قالوا للسجان : خذ هذا فإن سيدته غضبت عليه وأمرت أن يسجن في سجن المجرمين فأدخله السجان إلى السجن ووضعه بين أصحاب الكبائر والجنايات ، ودخل العزيز على زليخا وقال : ما فعلت بيوسف ؟ قالت : قيدته وحبسته وكان مرادها أن تخرجه عن قريب فقال لها :
أقسمت عليك بالملك الريان ورأسه إلا ما أبقيت يوسف في السجن ما دام الملك حيا فلم يمكنها إلا إبرار القسم وأدركها الندم ولم تجد عذرا تخرجه به وكانت تصعد إذا جن الليل إلى أعلى قصرها وتنظر إلى جهة السجن وتبكي وتقول : حبيبي يوسف ليت شعري أنائم أنت أم يقظان أجائع أنت أم عطشان ؟
وتبقى على ذلك النجيب والبكاء حتى ينفجر الصبح وجدا عليه وشوقا إليه ، وقد أنحلها الغرام ، وخالطها الهيام ، وداخلها السقام ، وهجرها المنام ، وتعذر على ناعتها إثباتها ودامت على ذلك لا تشكو إلا بذكره ولا تسأل إلا عن أمره مدة اثنتي عشر سنة حتى أذن اللّه ليوسف بالخروج من السجن كما جاء في
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 368
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٣٦٨