واللّه يا عماه بهذا حدثت أمير المؤمنين ، ولكنه بدّل وغيّر ونطق بما في ضميره عن لسانك . فقال له أبو العباس : ما لك قاتلك اللّه وأخزاك وفعل بك وفعل ؟
قال : فتركته وخرجت وهو يشتم وقد أيقنت بالحياة فلما وصلت منزلي أخذت راحتي وصرت أفكر فيما حصل فما أشعر إلا ورسل أم سلمة قد صاروا إليّ ومعهم عشرة آلف درهم وتخت وبرذون وغلام ، فأخذتها وانصرفوا ، وبقيت أم سلمة عند السّفاح إلى أن توفاه اللّه وهي مالكة قلبه .
« 77 » - أم سنان ابنة جشمة
كانت من شاعرات العرب الموصوفات بالأدب ، اللائي لهنّ اليد الطولى بالنظم والنثر مع رقة المعنى ودقة المبنى والحماسة الزائدة التي تقصر عنها حماسة الرجال ، وناهيك ما قالته في مدح آل البيت وتحريض آل مذحج على نصرتهم . وقد وفدت على معاوية ، كما قال سعيد بن أبي حذافة قال : إن مروان بن الحكم وهو والي المدينة حبس غلاما ليس في جناية جناها ، فأتته جدة الغلام ، وهي أم سنان ابنة جشمة المذحجية فكلّمته في الغلام ، فأغلظ لها مروان فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه ، فانتسبت ، فعرفها ، فقال لها : مرحبا يا ابنة جشمة ، ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحضين علينا عدونا ؟
قالت : إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأحلاما وافرة : لا يجهلون بعد علم ، ولا يسفهون بعد حلم ، ولا ينتقمون بعد عفو ، وإن أولى الناس باتباع ما سنّ آباؤه لأنت . قال : صدقت نحن كذلك فكيف قولك :
عذب الرقاد فمقلتي لا ترقد * والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا * إن العدوّ لآل أحمد يقصد
هذا عليّ كالهلال تحفّه * وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عم محمد * إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا * والنصر فوق لوائه ما يفقد
قالت : كان ذلك يا أمير المؤمنين ، وأرجو أن تكون لنا خلفا . فقال رجل من جلسائه : كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة :
هامش
( 77 ) - أعلام النساء 2 / 263 ، تراجم أعلام النساء 1 / 277 .