وإذا رام شربة الماء منه * رافع الرأس جد في تنكيسه
وإذا ما بكي الزراعة يوما * صر غيظا على متين ضروسه
وإذا ما شكا المظالم في السر * تلقى الأنباء عن جاسوسه
عامل مات تحت نير من الجو * ر ولكن مازج في ناووسه
فيه مثل ما استطعت يا دهر فالتمثيل * أحرى باتنه وتيوسه
خشب أهله المساكين والخشب * الملقى دماره من سوسه
أي شعب أعمى يقاد إلى الحتف * بحبل يبتاعه بفلوسه
كل شعب في الأرض لو كان يدري * موت مرؤوسه بنوم رئيسه
ما استفاد الحزين عامل نجحا * لا بمرئية ولا محسوسه
بل بسيل من المواعيد ينهال * على جرحه الذي لم يوسه
أترى النائب الكريم بلبنان * يفي بالوعود بعد جلوسه
أم تراه ينسى ولا بدع فالنسيان * للآدمي بعض طقوسه
سكرة الحكم شد ما جربوها * تشغل المرء عن فراش عروسه
وقال :
لا يصدق السيف ما لم تصدق الهمم * فالسيف يصدأ والخطي ينحطم
وفي شبي العزم عن حد الشبى عوض * إن فارقت كفك الصمصامة الخذم
فما الشجاعة سيف أنت حامله * ولا قناة ولا درع ولا علم
بل الشجاعة أقدام يشيعه * حزم تطير به الهامات والقمم
من لي بذي نجدة في ثوبه بطل * في نفسه شيم في أنفه شمم
لا يرتضي الذل في حل ومرتحل * ولا تزل له في موطأ قدم
متى أرى ببلاد الشرق مجتمعا * للعلم عن ثغره بالبشر يبتسم
متى أرى ألفة في أهله ويدا * للحب تجمعهم من بعد ما اقتسموا
يا شرق حسبك جهل قد أقمت به * أفق ودونك ما ابتزوا وما ظلموا
فهم كذئبان غاب يوم مسغبة * ونحن بينهم المعزاء والغنم
سلوا على العرب سيفا من عداوتهم * فما قضى العرب حتى قوض العجم
هل وثبة في ظهور الخيل مرجعة * من مجدنا اليوم ما اغتالوا أو ما التهموا
أم هل ترى ترجع الأيام من يدهم * من حقنا اليوم ما ابتزوا وما غنموا
وقال يتحدث عن عهد الطفولة في جبل عامل :
حيث رباك نسمات السحر * يا ملعبي عند زمان الصغر
أيام كنا والقضا طوعنا * نلهو مع الغيد بلعب الأكر
حلواؤنا البلوط أنعم به * وكننا تحب ظلال الشجر
ومهدنا الممتاز أرجوحة * نغدو عليها بين كر وفر
ودستنا الدمنة من فوقها * نار غدت تقدحنا بالشرر
ووردنا الأجران عند الظما * بالقش نمتص بقايا المطر
ونقلنا الشبرق أنعم به * من طيب الخبر كريم الخبر
وصيدنا الكماة من منبت * سمده السيل برجع البقر
وخيلنا العيدان نفري بها * عرض الفلا في وردنا والصدر
بارودها ناعم ترب الفلا * يا شد ما أعمى صحيح البصر
ندير طاحونا بلا آلة * ولا مياه جبلت في مجر
ولا بناء محكم سمكه * نفنى به المال ونكدى البشر
وبندقيات الصبا شوكة * نقدحها بالعود لا بالمفر
ولا فراش وسطه قطبه * في رأسه فاس لجر الحجر
ولا شنقنا الدلو من فوقه * بحبلة من قنب أو شعر
بل فوهة نفتحها عنوة * بعودة اللعب بأعلى الحفر
في الصيف نجثوا حولها ركعا * وناعم الترب علينا يذر
وفي الدجى بونا لنا لعبة * من مغرب الشمس لوقت السحر
وإن أتى وقت زمان الشتا * ورطب الأرض مسيل المطر
يشغلنا المنطاع في ضربه * فزمر تلهو به مع زمر
والدوش في الصحو وعند الشتا * وتكتسي الأرض بأسنا الحبر
نفتر في الحقل بلا زاجر * نستنشق العرف ونجني الزهر
فمن أقاح كثغور الدمى * عليه في الشكل الجمال اقتصر
ونرجس عنه عيون الظبا * ازدانت بما زينها من صور
وأرجو ان كشفاه ألمها * وزنبق يذهب عنك الكدر
وعنبر تصبيك أنفاسه * إذا عدا الريح عليه ومر
وبعد ما تذوي زهور الربى * وتحسد البدو مقر الحضر
نهاجم العصفور في عشه * فما لفرخ دوننا من وزر
فلم نزل نلهو بهذا وذا * نشوي العصافير ونجني الثمر
حتى تزين التين أوراقه * ويبصر العجر صحيح البصر
نعلو عليه نجتني عجره * وفي حليب التين بعض الضرر
فاه ما أحلى أويقاته * فليتما العيش عليه اقتصر
مضى ولم نشعر به وانقضى * بالأطيبين من هنا أو خفر
مضى وأبقانا نقاسي العنا * رهن الرزايا والقضا والقدر
نحمل أعباء على كاهل * وا حسرتا أدماه فرط الدبر
كم أبصرت أعيننا بعده * من عبر في العيش تتلو عبر
نجاذب النملة أقواتها * وندأب الكد ببرد وحر
فعيلة تجهد منا القوى * وتحمل الأثقال بحرا وبر
كي لا نراها تشتكي حاجة * ووجهها خوف الزمان اكفهر
والطفل من أبنائنا إن بكى * يقتلنا عليه فرط الحذر
وقال في وصف لفافة التبغ :
وبيضاء لم تبلغ سوى قيد إصبع * من الطول لكن قد أطالت تسهدي
تعشقها دهري فلم أر راحة * ولم يك عنها الصبر يوما بمقعدي
هوى قد دعا جسمي نحيلا كجسمها * وأوردني من أجلها شر مورد
مضى نصف قرن وهي عندي وحيدة * ومسكنها جيبي وملعبها يدي
وكانت بحجم الرمل أو هي دونه * ولون كما شاء الاله مورد
فأودعتها بطن الثرى وسقيتها * مياه الحيا عند المساء وفي الغد
فما زال يهتز الثرى وهي تحته * ويربو ، وأرياح تروح وتغتدي
إلى أن بدت للعين في ميعة الصبا * على ظهره تزهو بلون زبرجدي
ولما اكتست أسنى الغلائل وازدهت * بتاج من الدر النقي المنضد
علاها اصفرار كاصفراري وبدلت * ملابسها الخضرا بألوان عسجد
فجردتها منها وأحكمت صنعها * باسلاك قد نيطت بسهم محدد
وحولتها للريح والشمس فانزوى * إلى اليبس منها ذلك الناعم الندي
وسلمتها بعد الجفاف لزاجر * له سطوة البازي وحد المهند
فقام إليها وانحنى فوق جسمها * بسيف على حز الرقاب معود
وقمت بست من بناني لشدها * ببرد رقيق الجسم يحكي تجلدي
بأبيض لم تجبر على غزله يد * ولا نسجته كف شيخ وأمرد
ولست مجوسيا ودنت بحرقها * فأضرمتها في راحتي عن تعمد
لتأنس نفسي في لذيذ دخانها * كما أنست عيني وفي لمسها يدي
سيجمعنا الحشر الذي هو جامع * وتنصفنا عن يومنا وقفة الغد
أعيان الشيعة — صفحة 352
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٣٥٢