بذره وحرثه وسقيه وجوه الحل ، حتى صارت كبار العلماء والعباد يقصدون زيارته للتبرك بطعامه .
ولقد بلغ بالتقشف عن الدنيا ، أنه كان يفرش منزله في الشتاء بأحلاس بالية ، وفي الصيف بخصفة قديمة .
وكان يحب الفقراء والفقر ، ويحض أصحابه عليه ، وعلى كسب الحلال ، ويستدل بقوله عليه الصلاة والسلام : « العبادة عشرة أجزاء تسعة منها طلب الحلال وواحد سائر العبادات » « 1 » ، وكان يقول : كل ما حصل لي فهو من ذلك .
وكان يصنع الطعام للفقراء بيده المباركة ، ويخدم مائدتهم بنفسه الشريفة ، وإذا اجتمعوا للطعام يوصيهم بالمحافظة على الحضور ، ويؤكد عليهم في ذلك أشدّ التأكيد ، وكلما أراد أحدهم أن يتناول لقمة مع الغفلة ينبهه من طريق الكشف عليها ، ويمنعه من أكلها ، ويقول : صدور الأعمال الصالحة إنما هو من الطعام الحلال إذا أكل مع الحضور ، ولا يحصّل العبد الحضور في جميع الأوقات ، لا سيما أوقات الصلوات إلا بهذا .
وكان إذا قدم إليه طعام صنع في حال غضب ، أو كراهية ، أو حصل فيه أدنى مشقة ، بل لو كان وضع فيه أحد ملعقة على هذه الحالة لا يمدّ يده إليه ، ولا يدع أحدا ممن معه أن يتناول منه شيئا .
روى أنه ذهب مرة إلى غزيوت ، فقدم إليه أحد مريديه طعاما ، فقال له :
كان صانعه منذ عجن عجينه إلى أن أتم طبخه في حالة غضب ، فلا يليق بنا أن
هامش
( 1 ) حديث « العبادة عشرة أجزاء » : أخرجه الديلمي في « مسند الفردوس » برقم ( 4222 ) . وفيه محمد بن أحمد بن سعيد الرازي . قال الذهبي في « الميزان » ( 3 / 457 ) : لا أعرفه لكن أتى بخبر باطل ، وهو آفته ، ثم ذكر له حديثا .
وفيه أيضا الحسين بن داود البلخي ، وليس بثقة ، وحديثه موضوع . انظر « الميزان » ( 1 / 534 ) .