سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة ، وأدّيت فبقي عليّ المال ، فأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب ، من بعض المعادن فقال : ما فعل الفارسي المكاتب ؟ فدعيت له ، فقال : خذ هذه فأدّها بما عليك ، فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية ، فأديتهم حقّهم ، وعتقت فشهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخندق ، ثم لم يفتني معه مشهد .
ودخل سعد بن أبي وقاص عليه ليعوده - رضي اللّه عنهما - فبكى سلمان ، فقال له سعد : ما يبكيك ، توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو عنك راض ، وترد عليه الحوض . فقال سلمان : ما أبكي فزعا من الموت ، ولا حرصا على الدنيا ، ولكنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عهد إلينا عهدا ، فقال : « ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب » « 1 » ، وحولي هذه الأساودة « 2 » - وإنما حوله إجانة « 3 » وجفنة « 4 » ومطهرة « 5 » - فقال له سعد : أوصنا ! قال : اذكر ربك عند همّك إذا هممت ، وعند حكمك إذا حكمت ، وعند يدك إذا قسمت .
ولما مات بيع متاعه كله فبلغ أربعة عشر درهما .
وقيل له : أوصنا ! فقال : من استطاع منكم أن يموت حاجا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربه فليفعل ، ولا يموتن تاجرا ولا جابيا .
وكان قد أصاب صرة مسك أودعها امرأته ، فلما حضرت الوفاة قال : هات
هامش
( 1 ) حديث « ليكن بلغة أحدكم » : أورده ابن الجوزي في « صفة الصفوة » ( 1 / 553 ) . بلفظ ( لتكن ) .
( 2 ) الأساودة : قال أبو عبيد : أراد بالأساود الشخوص من المتاع الذي كان عنده . وكل شخص من متاع أو إنسان أو غيره : سواد ، قال ابن الأثير : ويجوز أن يريد بالأساود الحيات ، جمع أسود ، شبهها بها لاستضراره بمكانها . « لسان العرب » ( سود ) .
( 3 ) إجانة : وعاء تغسل فيه الثياب .
( 4 ) جفنة : كالقصعة .
( 5 ) مطهرة : إداوة التطهير .