الشيخ وحصل لي منه فائدة فائقة ، وتجليات وأحوال وافرة صادقة .
ولما سافر الشيخ من نيسابور رجعت إلى خدمة الشيخ أبي القاسم القشيري - قدس اللّه سره - وكنت كلما حصلت لي حال من الأحوال أذكرها له ، فيقول لي : اذهب يا ولدي واشتغل بتعلم العلم ، ولم يزل ذلك الحال يزداد معي يوما فيوما ، وأنا مشتغل بتحصيل العلم مدة ثلاث سنين ، فاتفق لي أني رفعت مرّة القلم من الدواة فخرج أبيض فقمت حتى وقفت أمام الإمام القشيري ، وذكرت له ذلك الأمر ، فقال لي قدس سره : حيث نزع العلم يده منك فانزع يدك منه ، والتفت للحال الذي أنت فيه ، واسلك طريق القوم ، فنقلت أمتعتي من المدرسة إلى الخانقاه ، واشتغلت بخدمة هذا الأستاذ الإمام قدس اللّه سره .
وقال : ودخل الأستاذ يوما إلى الحمّام ، فذهبت وحدي إلى الحمّام وأخرجت عدة دلاء من ماء البئر وملأته ، فلمّا خرج الأستاذ القشيري منه قال :
من الذي ملأ الحمام ماء ؟ فسكتّ ، وقلت في نفسي : إني فعلت قلة أدب ، فسأل مرة ثانية فما أجبته أيضا ، فلما سأل الثالثة قلت له : أنا ملأته ، فقال : يا أبا علي : أبشرك بأنّ ما حصّلته أنا في مدة سبعين سنة فقد حصّلته أنت بدلو واحد .
وقال : واستولى عليّ مدة المجاهدة عند الأستاذ القشيري يوما حال لم أكن معها شيئا مذكورا ، فذكرت له ذلك ، فقال : يا أبا علي ! ذوقي ما هو أعلى من هذا ! يمكن أن يكون ذلك المقام أرفع من مقامي ، وأنا لا أدري طريقه ، فلم أزل متشوفا إلى شيخ يوصلني إلى أعلى من هذا مدة مديدة ، وذلك الحال يزيد ، وقد كنت سمعت بالشيخ أبي القاسم الكركاني ، فتوجهت إلى طوس ولم أكن أعرف محله ، فلما وصلت إلى البلدة سألت عنه فوجدته جالسا في المسجد مع جماعة من مريديه ، فصليت تحية المسجد وجلست أمامه ، وكان مطرقا رأسه فرفع رأسه ، وقال : تعال أبا علي ! فقمت وسلّمت عليه ، ثم قعدت فذكرت له أحوالي ، فقال : نعم ! بارك اللّه لك في بدايتك ، فإنك الآن واصل إلى أول درجة من السلوك ، أما إذا حصل لك تربية فإنك تصل إلى درجة عالية ، فقلت في نفسي : هذا أستاذي ، ثم أقمت عنده فبعد ما أمرني بأنواع الرياضات
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 233
مساهمون: الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
ص٢٣٣