الشّام ، وتنقل في بلادها ، وتقلّد الخطافة بالرّملة ، وتزوّج بها ، وكانت نفسه تحدثه بمعالى الأمور ، وكان يكتم نسبه ؛ فيقول تارة انّه من الطّالبيين ؛ وتارة من بنى اميّة ، ولا يتظاهر بشئ من الأمرين ، وكان متورّعا ، سلف النّفس ، منقشعا ، يطلب الشئ من وجهه ولا يريده من جلّه ، إلى أن صار استناده باظهار خلاف الواقع بعد انكشاف ذلك لبعضهم منشأ وباله واعتقاله ، ليظهر صدق مقالة رسول إلهنا الحقّ : إنّ النّجاة في الصّدق ، ثمّ قتل سرّا في سجنه ، وذلك في قاهرة مصر سنة عشرة وأربعمائة ، إلى أن قال : وكان اصفرّ اللّون ، ورؤى بعد موته في المنام ، فقيل له ما فعل اللّه بك ، قال : غفر لي قيل له : بأىّ الأعمال ، قال : بقولي في مرثية ولدى صغير وهو :
جاورت أعدائي وجاور ربّه * شتّان بين جواره وجواري
أقول وهو من جملة قصيدته الرّائية المشهورة الّتى رثى بها ابنه وقد سارت مسير الشّمس وهي :
حكم المنيّة في البريّة جار * ما هذه الدّنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا * حتّى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلّف الأيّام ضدّ طباعها * متطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنّما * تبنى الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالا إنّما * أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشّباب وبادروا * أن تسترد فإنّ هنّ عوار
فالدّهر يخدع بالمنى ويغص إن * هنّا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزّمان وإن حرصت مسالما * خلق الزّمان عداوة الأحرار
إنّى وترت بصارم ذي رونق * أعددته لطلابة الأوتار
أثنى عليه بإثره ولو أنّه * لم يغبط أثنيت بالآثار