فما أبقيت الا مخطفات * حمى الأخطاف منها والنهود
ورب ممنع حاولت منه * فلم يمنعه معقله المشيد
ومشرفة لقاصدها صبوب * على قمم السحائب أو صعود
تحف بها شواهق شامخات * كما حفت بسيدها الجنود
أحطت بها الأسنة لامعات * فهن على ترائبها عقود
رأت أمثال صورتها حديدا * فكادت وهي راسية تميد
وما زالت جيادك طاويات * تقاد إلى العدو فتستقيد
ضربت بها على الثغرين سدا * يؤيد ركنه رأي سديد
وأبت بها وقد أحرزت مجدا * قناك عليه والبيض الشهود
ولما قابلت طرطوس غرا * محجلة تقابلها السعود
كففت شذاتها فارتد باس * كدفاع الحريق وفاض جود
لقد شرفت بسؤددك القوافي * وفاز بمجدك الشرف التليد
فيوم الحرب تطربك المذاكي * ويوم السلم يطربك النشيد
وقال يمدح سيف الدولة ويعتذر إليه من انصرافه عن حلب بغير
إذن :
أؤنب الشوق فيهم وهو يضطرم * واستقل دموع العين وهي دم
لله أي شموس منهم غربت * بغرب وبدور ضمها أضم
بيض تخبر عنها البيض لامعة * بأنهن نعيم دونه نقم
أهدت لهن على خوف إشارتنا * تحية ردها العناب والعنم
هي الظباء ولي من ربعها حرم * وهي الشفاء ولي من لحظها سقم
سقيا المحبين من أهل الحمى ظما * برح وسقياه من أجفانها ديم
جادتك مذهبة بالبرق مجلبة * بالرعد تربد أحيانا وتبتسم
كأنها وجنوب الريح تجنبها * بحر يسد فضاء الجو ملتطم
من اللواتي تقول الأرض ان بسمت * هذي الحياة التي يحيا بها النسم
كأنها إذ تولت وهي مقلعة * جيش العدو تولى وهو منهزم
عادت حماتهم سفعا خدودهم * كأنما سفعت أبشارها الحمم
أطفأت بالكر والاقدام نارهم * وقبل كانت على الاسلام تضطرم
دفعتهم بغرار السيف عن بلد * رحب تدافع فيه سيلك العرم
غشيتهم برماح ليس بينهم * وبين أطرافها إل ولا ذمم
ونلت أمنعهم حصنا وابعدهم * فليس تعصمهم من بأسك العصم
وبات ذو الامر منهم قد ألم به * من خوف إلمامك المودي به لمم
لا يشرب الماء الأغص من حذر * ولا يهوم الا راعه الحلم
أضحى بنجدتك الاسلام معتصما * وأنت بالله والهندي معتصم
كأنها والعوالي ملء ساحتها * مغارس الخط فيها للقنا اجم
فالغزو منتظم والفئ مقتسم * والدين مبتسم والشرك مصطلم
يا سائلي عن علي كيف شيمته * انظر إلى الشكر مقرونا به النعم
مدح يغض زهير عنه ناظره * ونائل يتوارى عنده هرم
إذا بدا الصبح فهو الشمس طالعة * وان دجا الليل فهو النار والعلم
لا يستعير له المداح منقبة * ولا يقولون فيه غير ما علموا
رحب على آمليه ظل رحمته * وليس بينهم قربى ولا رحم
رمى الصليب وأبناء الصليب فلم * تغمد صوارمه الا وهم رمم
بالبيض تنكرها الأغماد مغمدة * والجرد تعرفها الغيطان والاكم
لا تخلع العذر عنها عند أوبتها * ولا تنفس عن أوساطها الحزم
كأنما نتجت للحرب مسرجة * مركبات على أفواهها اللجم
يا صارم الدين ان الدين قد علقت * كفاه منك بحبل ليس ينصرم
أشيم عفوك علما ان ستنشره * علي تلك السجايا الغر والشيم
كان انصرافي جرما لا كفاء له * عندي وأي لبيب ليس يجترم
رأي هفا هفوة زلت لها قدمي * وما هفا الرأي الا زلت القدم
هو اضطرار أزال الاختيار وهل * يختار ذو اللب ما يردي وما يصم
وكيف يجتنب الظمآن مورده * عمدا إذا راح وهو البارد الشبم
صفحا فلو شق قلبي عن صحيفته * لظل يقرأ منه الخوف والندم
جاءتك كالعقد لا تزري بناظمها * حسنا وتزري بما قالوا وما نظموا
والشعر كالروض ذا ظام وذا خضل * وكالصوارم ذا ناب وذا خذم
أو كالعرانين هذا حظه خنس * مزر عليه وهذا حظه شمم
وقال يمدح سيف الدولة ويودعه وقد عزم على المسير من الشام إلى
ديار بكر :
الله جارك ظاعنا ومقيما * وضمين نصرك حادثا وقديما
ان تسر كان لك النجاح مصاحبا * أو تبق كان لك السرور نديما
تغشاك بارقة السحاب إذا سرت * غيثا وتلقاك الرياح نسيما
لله همتك التي رجعت بها * همم الملوك الصاعدات هموما
ورياحك اللاتي تهب جنائبا * ولربما أجريتهن سموما
وخلالك الزهر التي أنفت لها * قمم المراتب أن تكون نجوما
كم من عظيم القدر قد لقيته * خطبا بأطراف الرماح عظيما
ومشهر يدعى الكريم تركته * يدعى وقد هطلت يداك لئيما
أفنت ظباك الروم حتى أنها * لم تبق الا ظبية أو ريما
وظبا محرمة على أغمادها * حتى تبيح من الضلال حريما
ومكارم أنصفت فيهن العلا * وتركت مالك بينها مظلوما
منحتك طاعتها القبائل رهبة * فمنحت جمرة عزها تضريما
أعطاك أصعبها الخطام ولم يكن * ليقود غيرك صعبها مخطوما
اسمي مرهفة السيوف فضلتها * شيما إذا جد القراع وخيما
ألبستني نعما رأيت بها الدجى * صبحا وكنت أرى الصباح بهيما
فغدوت يحسدني الصديق وقبلها * قد كان يلقاني العدو رحيما
طلب الملوك غبار شاوك فانثنوا * صفر اليدين وخائبا وذميما
ان يسمحوا في الحين أو يتكلفوا * كرم النفوس فقد خلقت كريما
وقال يمدح سيف الدولة أيضا :
وهي في الديوان ناقصة ومخالفة لما هنا في الترتيب والزيادة والنقصان
وكان ذلك من النساخ
أمن العيون يروم رد عنائه * هيهات ظن مقامها بشفائه
ما كان هذا البين أول جمرة * أذكت لهيب الشوق في أحشائه
لولا مساعدة الدموع ورفعها * حوب الفراق اتى على حوبائه
خفر الشمائل لو ملكت عناقه * يوم الوداع وهبته لحيائه
ضعفت معاقد خصره وعقوده * فكان عقد الخصر عقد وفائه
لله أي محاجر عفت لنا * بمحجر إذ ريع سرب ظبائه
وحيا أرقت لبرقه فكأنه * قدح الزمان يطير في أرجائه
أعيان الشيعة — صفحة 208
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٠٨