البهلول المطبّق أوقاته طول حياته لشدّة التقيّة في زمانه الّذى هو إلى أواخر زمن المتوكّل الملعون بخلافها في زمن الصادقين عليهما السّلام كما لا يخفى .
وله مناظرات طريفة ومباهات لطيفة مع أبي حنيفة ، وغيره أيضا منقولة في « المجالس » وغيره .
منها أنّه سمع يوما إلى أبي حنيفة يذكر لأصحابه أنّ من مقالة جعفر الصادق عليه السّلام ثلاثة لا أقبلها منه يقول : إنّ الشيطان يعذّب بالنار مع أنّ خلقته منها ، ولا يتأذّى الشيء بما هو من سنخه ، ويقول : بنفي الرؤية عن اللّه مع أنّه شئ موجود لا بدّ فيه من الرؤية ، ويقول : باستناد أفعال العباد إلى أنفسهم والنصوص على خلافه فالهم بهلول في جوابه عن كلّ ذلك بأن أخذ مدرة من الأرض وضرب بها وجه أبي - حنيفة بحيث قد شجّه وأدماه فتبعه القوم إلى أن وقعوا عليه وأتوا به إلى دار الخليفة رعاية لنسبته منه ، ومعهم أبو حنيفة فالتفت بهلول إليه في محضر الرشيد . قال : ما أشهدك في هذا المقام للشكاية منّي ، فقال أبو حنيفة : ألم أصابني من رميتك إليّ فقال : وأين هذا الألم الّذى تدّعيه ، وليس بمبصر فيك . ثمّ كيف أنت تأذيت من مدرة وأصلك من تراب . ثمّ كيف نسبتها إليّ ، وكان الأمر بيد غيرى . فبهت أبو حنيفة ، وعرف أنّه لم يرد بذلك إلّا جواب تشكيكاته وقام من المجلس منكوبا .
ومنها أنّ الوزير قال له يوما : يا بهلول طب نفسا فإنّ الخليفة ولاك على الخنازير والذئاب . فقال : إذا عرفت ذلك فالزم نفسك كي لا تخرج عن طاعتي وولايتي فضحك الحاضرون وخجل الوزير .
وقيل له يوما وهو في البصرة : عدّ لنا مجانين البلد . فقال : كيف وهم لا يحصون .
فإن شئتم اعدّد لكم العقلاء .
ودخل ذات يوم على الرشيد وهو يتنزّه إلي بعض عماراته الجديدة . فسأله أن يكتب شيئا عليها . فأخذ بهلول فحمة وكتب بها على بعض الجدران : رفعت الطين ، ووضعت الدين . رفعت الجصّ ، ووضعت النصّ ، فإن كان من مالك فقد أسرفت
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 147
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص١٤٧