وكان واحد زمانه في رواية دواوين شعراء العرب حتّى كان لا يشدّ عن حفظه من شعر شعراء الجاهليّة والإسلام إلّا القليل ، وأصحّ الناس معرفة باللغة ، وكان كلّ أسبوع يدخل على المتوكّل . فجمع بينه وبين النحويّين . ثمّ توصّل حتّى وصفني للمتوكّل فأمر باحضارى مجلسه ، وكان المتوكّل تعجبه الأخبار والأنساب ، ويروى صدرا منها ويمتحن من يراه بما يقع فيها من الغريب . فلمّا دنوت من طرف بساطه استدنانى حتّى صرت إلى جانب بندار . فأقبل علينا ، وقال : يا بن لرّة ، ويا بن يزيد ما معنى هذه الأحرف الّذى جاءت في هذا الخبر :
ركبت الدجوجىّ « 1 » وأمامى قبيله . فنزلت ثمّ سريت الصباح . فمررت وليس إمامي إلّا نحيم فرفصت « 2 » أمامى . فمنحت النحوض « 3 » والمسحل « 4 » والتدمريّة « 5 » ثمّ عطفت ورائى قلّوب « 6 » فلم أزل به حتّى أذقته الحمام . ثمّ رجعت ورائى . فلم أزل أمارس الأعطف في قتله « 7 » . فحمل علىّ وحملت عليه حتى خرّ صريعا .
قال المبرّد : فبقيت متحيّرا فبدر وقال : يا أمير المؤمنين إنّ في هذا نظرا ورويّة فقال : قد أجّلتكما بياض يومى . فانصرفا وباكرا في غدا . فخرجنا من عنده ، وأقبل بندار علىّ وقال : إن ساعدك الجدّ ظفرت بهذا الخبر . فاطلب فإنّى طالبه . فانقلبت إلى منزلي ، وقلّبت الدفاتر ظهرا لبطن حتّى وقفت على هذا الخبر في أثناء أخبار الأعراب فتحفظته « 8 » وباكرت أنا وبندار ، فصبّحناه فبدأت ورويت الخبر . ثمّ فسّرت
هامش
( 1 ) الدجوجى : البعير الشديد السواد .
( 2 ) في ياقوت : فركضت أمامى النحوض .
( 3 ) النحوض : الأتان الوحشية الحائل .
( 4 ) المسحل : قائد الحمر الوحشية .
( 5 ) في ياقوت : والعمرد .
( 6 ) القلوب : الذئب .
( 7 ) في البغية : أمارس الاعصف في قبلة .
( 8 ) في نسخة : فحفظته .