في ذلك أرسل إلى حملة الفتيا يستفتيهم عن إباحة دمه المعصوم عليه السّلام متّهما إيّاه بداعية الخروج ، فأفتوا - قاتلهم اللّه جميعا - بالإباحة سوى البهلول ، وكان منهم فإنّه لقى في سرّه الإمام عليه السّلام ، وأخبره بالواقعة ، وطلب منه الهداية إلى طريق النجاة . فأشار عليه السّلام إليه بالتجنّن في أعينهم وإظهاره السفه والهذيان صيانة لنفسه ودينه ، واقدارا له على إحقاق الحقّ ، وإبطال الباطل كما يريد .
قلت : ويؤيّد ذلك ما نقله السيّد نعمت اللّه التستري - رحمه اللّه - في حقّ الرجل في كتابه الموسوم ب « غرائب الأخبار » قال : روى أنّ هارون الرشيد أراد أن يولّى أحدا قضاء بغداد فشاور أصحابه فقالوا : لا يصلح لذلك إلّا بهلول . فاستدعاه وقال :
يا أيّها الشيخ الفقيه أعنّا على عملنا هذا . قال : بأيّ شيء أعينك . قال : بعمل القضاء .
قال : أنا لا أصلح لذلك . قال : أطبق أهل بغداد على أنّك صالح لهذا العمل . فقال :
يا سبحان اللّه إنّي أعرف بنفسي منهم . ثمّ إنّى في إخبارى عن نفسي بأنّي لا أصلح للقضاء لا يخلو أمرى من وجهين : إمّا أن أكون صادقا . فهو ما أقول ، وإن كنت كاذبا .
فالكاذب لا يصلح لهذا العمل . فألحّوا عليه وشدّدوا . وقالوا لا ندعك أو تقبل هذا العمل قال : إن كان ولا بدّ فأمهلونى الليلة حتّى افكّر في أمرى فأمهلوه . فخرج من عندهم فلمّا أصبح في اليوم الثاني تجانن ، وركب قصبة ، ودخل السوق ، وكان يقول :
طرّقوا خلّو الطريق لا يطأكم فرسى . فقال الناس : جنّ بهلول فقيل : ذلك لهارون فقال : ما جنّ ولكن فرّ بدينه منّا ، وبقي على ذلك إلى أن مات : وكان من عقلاء المجانين - رحمه اللّه - .
ويؤيّد أيضا صدق هذه النسبة إليه . ما نقل في أخبارنا المعتبرة من صدور الأمر بالتجانن عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السّلام بالنسبة إلى جابر الجعفي ، وهو أيضا من حملة أسرارهم الأخيار المقرّبين حين خروجه إلى الكوفة من خدمة الإمام عليه السّلام ، وكان والى الكوفة قد أمر بإرسال رأسه إلى الخليفة لكثرة ما كان ينشره فيهم من مناقب المعصومين عليهم السّلام . فصار ذلك منشأ لخلاصه وعذرهم إيّاه بعد شهادة أهل البلد بجنونه إلّا أنّ جنون جابر كان من قبيل الأدواري ، ومختصّا بتلك الواقعة بخلاف جنون
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 146
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص١٤٦