الكلام في العكس لأنه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه .
ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب المادة وحدقوا النظر فيه بحسب المادة وهي الكتب الخمسة : البرهان ، والجدل ، والخطابة ، والشعر ، والسفسطة وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما وأغفلوه كأن لم تكن وهي المهم المعتمد في الفن .
ثم تكلموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا نظروا فيه من حيث إنه فن برأسه لا من حيث إنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتسع .
وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب ومن بعده فضل الدين الخونجي وعلى كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد ، وله في هذه الصناعة كتاب كشف الأسرار وهو طويل ، واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التعليم ، ثم مختصر المجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفن وأصوله فتداوله المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به وهجرت كتب المتقدمين وطرقهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته كما قلناه واللّه الهادي للصواب . انتهى كلام ابن خلدون .
قال في مدينة العلوم وقد صح بشهادة أهل التواريخ والندماء أن أول من دوّن المنطق أرسطو وقد بذل ملك زمانه في مقابلة ذلك خمسمائة ألف دينار وأدرّ عليه في كل سنة مائة وعشرين ألف دينار .
وقيل : إنه تنبه لوضعه وترتيبه من نظم كتاب أقليدس في الهندسة ، ثم إن أرسطو بعد ما دون المنطق صارت كتبه مخزونة في أبنية ولاية موره من بلاد الروم عند ملك من ملوك اليونان ، ولما رغب الخليفة المأمون في علوم الأوائل أرسل إلى الملك المذكور وطلب الكتب فلم يرسل فغضب المأمون وجمع العساكر ، وبلغ الخبر إلى الملك فجمع البطاريق وشاورهم في الأمر فقالوا إن أردت الكسر في دين المسلمين وتزلزل عقائدهم فلا تمنعهم عن الكتب ، فاستحسن الملك فأرسلها إلى المأمون فجمع المأمون مترجمي مملكته ، كحنين بن إسحاق ، وثابت بن قرة وغيرهما فترجموها بتراجم مختلفة بحيث لا يوافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر فبقيت التراجم غير محررة إلى أن التمس منصور بن نوح الساماني من أبي نصر الفارابي أن يحررها ويخصها ففعل كما أراد ولهذا لقب بالمعلم الثاني ، وكان كتبه في خزانة الكتب المبنية بأصبهان المسماة بصوان الحكمة إلى زمان السلطان مسعود ، لكن كانت غير مبيضة
أبجد العلوم — صفحة 434
مساهمون: صديق الحسيني القنوجي البخاري
ص٤٣٤