حالوا بينه وبين حريمه ، فصاح كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال ، فكفوا ثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجروح والكلام ، وضعف من شدة العطش والآلام ، لأنه طعن إحدى وثلاثين طعنة وضرب أربعا وثلاثين ضربة ، فسقط على الأرض الغبراء ، فاختضبت بدمه أرض كربلاء ، فخر رأسه وطابت بالشهادة نفسه ، والذي باشر قتله قيل سنان بن أنس النخعي ، وأعانه على ذلك شمر ابن ذي الجوشن ، وقيل شمر ، وكان قتله يوم الجمعة عاشر المحرم سنة إحدى وستين ، ولما جاء قاتله برأسه الشريف بين يدي عبيد الله بن زياد ، أنشد متبجحا ، ولبئس الإنشاد .
أوقر ركابي فضة أو ذهبا * فقد قتلت السيد المحجّبا
قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فغضب ابن زياد من قوله وقال إذا علمت إنه كذلك فلم قتلته ، فأمر بضرب عنقه « 1 » ، وقتل من اخوته وبنيه وبني أخيه الحسن ومن أولاد جعفر وعقيل تسعة عشر رجلا ، قال الحسن البصري ، ما كان لهم على وجه الأرض يومئذ شبيه ، قيل ولما أتى برأسه إلى ابن زياد وضعه في طشت وأخذ يضرب ثناياه بقضيب في يده ويعبث بأنفه ويتعجب من بهاء ثناياه ونضارة حسنه وكان عنده أنس « 2 » فبكى وقال : كان أشبههم برسول الله صلّى الله عليه وسلم رواه الترمذي وغيره وروى ابن أبي الدنيا أنه كان عنده زيد بن أرقم فقال له : ارفع قضيبك ، فوالله لطالما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقبل ما بين هاتين الشفتين ، ثم جعل زيد يبكي ، فقال له ابن زياد ، أبكى الله عينيك ، لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك ، فنهض يقول : أيها الناس ، أنتم العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة ، والله ليقتلن خياركم وليستعبدن شراركم ، فبعدا لمن رضي بالذل والعار ، ثم قال : يا ابن زياد لأحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا ،
هامش
( 1 ) الرجز في مروج الذهب 2 / 46 وفيه أن عبيد الله بن زياد بعثه إلى يزيد ومعه الرأس ولم يرد أنه قتله انظر كذلك تاريخ الطبري 5 / 390 ومقاتل الطالبيين ص 80
( 2 ) وفي الطبري 5 / 390 أنه أبو برزة الأسلمي .