لم يعلمه مني سوى الله ، وله قدس سره كلام متداول بين الناس مشهور فمنه الوجد جحود ما لم يكن عن شهود ، وشاهد الحق يغني شهود الوجود ، وينفي عن العين الوسن ، وسكره يزيد على سكر الشراب ، وأرواح الواجدين عطره لطيفة ، وكلامهم يحيي أموات القلوب ، ويزيد في العقول ، ومنه يسقط التمييز ويجعل الأماكن مكانا واحدا ، والأعيان عينا واحدا وأوله رفع الحجاب ، ومشاهدة الرقيب ، وحضور الفهم ، وملاحظة الغيب ومحادثة السر ، وإيناس المفقود ، وشرط صحة الوجد : انقطاع أوصافه عن التعلق بمعنى الوجد حال وجوده ، ومن لا فقد له ، وأهله على مقامين ناظر ، ومنظور إليه ، فالناظر مخاطب بشاهد الذي وجده في وجده ، والمنظور إليه مغيّب قد اختطف الحق بأوّل ما ورد عليه ، والوجود نهاية الوجد لأن التواجد يوجب استيعاب العبد ، والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد وترتيب هذا الأمر حضور ثم ورود ، ثم شهود ، ثم وجود ، ثم خمود ، فبمقدار الوجد يحصل الخمود ، وصاحب الوجود له صحو ومحو ، فحال صحوه بقائه بالحق وحال محوه ، فنائه بالحق وهاتان الحالتان متعاقبتان عليه أبدا ، والوجود اسم لثلاث معان ، الأول وجود علم لدني يقطع علم الشواهد في صحبة مكاشفة الحق إياك ، الثاني وجود الحق ، وجودا غير منقطع عن مشاع الإشارة ، الثالث وجود مقام اضمحلال ، رسم الوجود بالاستغراق في الأولية ، فإذا كوشف العبد بوصف الجمال ، سكر القلب وطرب الروح ، وهام السر ، وأنشد ، وفي بعض نسخ البهجة معنى أنشأ :
فصحوك من لفظي هو السكر كله * وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا
فما مل ساقيها وما ملّ شارب * لحاظ جمال كاسه يسكر اللبا
والصحو ، إنما هو بالحق ، وكلما كان في غير الحق لم يخل عن حيرة لا حيرة بشبهة ، بل حيرة في مشاهدة نور العزة ، وكلما كان بالحق لم يغير عليه غلبة ، ثم الصحو من أدوية الجمع ولوائع الوجود ، ومنازل الحياة ، والحياة أسم لثلاث معان الأول حيوة العلم من موت الجهل ،