فتى يطرق باب حبيب ، فخرجت امرأته لترى من في الباب ، وإذا هي بالفتى معه حمل من الدقيق والعسل والدهن ، حمول محمّلة بظهور الحمالين ، وفي يده صرّة فيها ثلاثمائة درهم فناولها إلى امرأة حبيب وقال لها : أرسل بها إليكم من استأجر حبيبا وأمر أن يزيد في العمل ، وهو أيضا يزيد في أجره ، ثم ذهب الفتى ، ولما صار المساء جاء حبيب إلى البيت وهو متفكر في أمر بيته ومتصور الاعتذار من زوجته ، فلما قرب من داره شمّ رائحة الطعام والدهن ، فتعجب ودخل البيت فحكت له زوجته ما جرى من القصة ، فازداد تمكنا من العبادة والطاعة ، وفوض الأمر إلى الله في كل ما أراده واشتغل بالرياضات وواضب على الأذكار والأوراد إلى أن صار منه ما صار من الأحوال الصادقة والأفعال الخارقة والكرامات الظاهرة ، والمكاشفات الباهرة والأدعية المستجابة ، والأنفاس المستطابة .
ومن كراماته : أن امرأة جاءت إليه ولها ابن مفقود مدة مديدة ولم يعلم له أثر ، فالتمست منه أن يدعو الله عزّ وجل في رد ابنها إن كان حيا ، فقال : تصدقي على الفقراء بما تستطيعين وأنا أدعو الله لك في ذلك ، فأخرجت درهمين ولم يكن عندها غيرهما ، فأخذهما الحبيب وتصدق بهما على الفقراء ، وأمرها بالرجوع إلى بيتها وبشّرها بالبلوغ إلى أمنيتها ، فرجعت وإذ هي بولدها في البيت فسألت عن شأنه واستكشفت عن كيفية إتيانه ، فقال : بينما أنا في بلدة من بلاد العجم تسمى كرمان أشتري اللحم لأستاذي في هذا الآن فهبّت ريح شديدة وإذا أنا بصوت يقول : أيها الريح اذهبي بهذا إلى داره في بغداد ، ثم وجدت نفسي هنا فعلمت أنه كان من كرامات الشيخ .
ومنها ما روي أنه كان يوم التروية بالبصرة ورأوه يوم عرفة ، بعرفات ووقف بها .
وحكي أنه كان له جلد غنم بصوفه ، كان يفرشه ويقعد عليه ، كما يتخذه أهل السياحة والرباط في هذا الزمان فألقاه يوما في الطريق وذهب إلى قضاء الحاجة ، فاتفق مرور الحسن البصري بذلك الطريق فرآه فعرفه أنه
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 254
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٢٥٤