ثم يتركه لأهله ويشتري بالآخر ريحانا فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته جففيه ودقيه بالأشنان .
قال أبو عبيدة : ودخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي « 1 » وهو عم السفاح وسأله عن شيء فصدقه فلم يعجبه ما قاله ، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج متعجبا من كساد الصدق عندهم ونفاق الكذب عليهم ، وكان أبو عمرو ينشد عقيب هذا الحديث :
أنفت « 2 » من الذل عند الملوك * وإن أكرموني وإن قرّبوا
إذا ما صدقتهم خفتهم * ويرضون عني بأن اكذب
وكانت ولادة أبي عمرو سنة سبعين وقيل ثمان وثمانين وقيل خمس وستين بمكة ، وتوفي سنة أربع وخمسين ومائة وقيل سنة تسع وقيل سنة ست بعد الخمسين والمائة بالكوفة ، وكان قد خرج إلى الشام يجتدي عبد الوهاب بن إبراهيم « 3 » والي دمشق ، فلما عاد إلى الكوفة توفي بها ويؤيد هذا ما ذكره بعض الرواة أن رأى قبر أبي عمرو مكتوبا عليه هذا قبر أبي عمرو بن العلاء ولما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق ، فأفاق من غشية له فإذا ابنه بشر يبكي ، فقال : ما يبكيك ، وقد أتت علي أربع وثمانون سنة ؟
ورثاه عبد الله بن المقفع « 4 » بقوله :
رزينا أبا عمرو ولا حي مثله * فالله رب الحادثات بمن فجع
هامش
( 1 ) سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس : أمير جواد ممدح ، ولاه السفاح البصرة سنة ( 132 ه ) وعزله المنصور عنها سنة ( 139 ه ) وتوفي بها سنة 142 ه ، ( تهذيب ابن عساكر 6 / 281 وفوات الوفيات 1 / 177 ) .
( 2 ) في الأصل ( أنفقت ) والتصويب عن الوفيات .
( 3 ) عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام العباس ، أمير من القادة الشجعان ، توفي سنة 157 ه ( الأعلام 4 / 179 ) .
( 4 ) عبد الله بن المقفع : من أئمة الكتاب ، أول من عني بترجمة كتب المنطق توفي سنة 142 ه ، أخباره كثيرة انظر الأعلام 4 / 140 وأمراء البيان 99 .