هذا العقيق فقف على أبوابه * متمايلا طربا لوصل غرابه
يا طالما قد جبت كلّ تنوفة * مغبرّة ترجو لقا أربابه
وقطعت أنساع الرواحل معلنا * في كل حيّ جئته بطلابه
حتى غدت غدران دمعك فيّضا * بالسفح في ذا السفح من تسكابه
والعمر وهو أجلّ ما خوّلته * أنفقته في الدّور في إدرابه
وعصيت فيه قول كلّ مفنّد * وسددت سمعا عن سماع خطابه
بشراي بعد اليأس وهو خطيبه * بتبدّلي سهل الهوى بصعابه
قد أنجح اللّه الذي أمّلته * وكدحت فيه لنيل لبّ لبابه
وهجرت فيه ملاعبي ولقيت في * ه متاعبي ومنيت من أوصابه
وشربت كاسات الفراق وقد غدت * ممزوجة بزعافه وبصابه
وبذلت - للهادي إليه - نفائسي * ومنحته منّي بملء وطابه
فحططت رحلي بين سكّان الحمى * وأنخته في مخصبات شعابه
وشفيت نفسي بعد طول عنائها * في قطع حزن فلاته وهضابه
ووضعت عن عنقي عصا الترّحال لا * أخشى العذول ولا قبيح عتابه
فأنا ولا فخر الخبير بأرضه * وأنا العروف بشامخات عقابه
وأنا العليم بكل ما في سوحه * وأنا المترجم عن خفيّ جوابه
يا بن الرسول وعالم المعقول والمن * قول أنت بمثل ذا أدرى به [ 255 ]
لا تسألنّ عن العقيق فإنها * قد ذلّلت لك جامحات ركابه
وكرعت في تلك المناهل برهة * وشربت صفو الورد من أربابه
وقعدت في عرصاته متمايلا * متبسّما نشوان من إطرابه
واسلم ودم أنت المعدّ لمعضل * أعنى الورى يوما بكشف نقابه
وخذ الجواب فما به خطل ولا * عصبيّة قدحت بعين صوابه
سكّانه صنفان صنف قد غدا * متجرّدا للحب بين صحابه
قد طلّق الدنيا فليس بضارع * يوما لنيل طعامه وشرابه
يمشي على سنن الرسول مفوّ * ضا للأمر لا يلوي للمع سرابه
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع — صفحة 589
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٥٨٩