فسمعه الفرزدق « 1 » فقال له : من أنت ؟ قال : كثيّر عزّة ، فأنت من أنت ؟ قال :
الفرزدق . قال : أنت القائل : شعر :
جدّت جمالهم بكلّ خريدة * تركت فؤادي هائما مخبولا
لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا * حتّى أودع قلبي المتبولا
ساروا بقلبي في الحذور وغادروا * جسمي يعالج زفرة وعويلا
فقال الفرزدق : نعم : فقال كثيّر : واللّه لولا أنّي في الحرم لأصيحنّ صيحة أفزع منها هشام على سرير ملكه بالشّام ! فقال الفرزدق : واللّه لاعرّفنّ هشام بذلك ! ثمّ افترقا ولم يلتق « 2 » كثيّر بعزّة سوى تلك المرّة ، ودخل الفرزدق على هشام وحكى له حديث كثيّر ، فقال له : أكتب له بالحضور إلى عندنا حتّى نطلّق عزّة من زوجها ونزوّجها له . فكتب الفرزدق له ، وقدم كثيّر يريد الشّام فمرّ على بني فهد فنظر شيخا جالسا ، وكان كثير قد رأى قبله غرابا « 3 » على بانة « 4 » يتفلّى وريشه « 5 » يتساقط ، وقد تغيّر لون كثيّر ، فقال له الشّيخ : ما أصابك ؟ هل رأيت شيئا رابك ؟ قال كثيّر : رأيت غرابا على بانة وريشه يتساقط فقال الشّيخ : الغراب غربة :
والبانة بين ، والتّفلّي فرقة ، فازداد كثيّر حزنا ، وسار ودخل دمشق فوجد النّاس يصلّون على جنازة ، فنزل عن ناقته ، وصلّى معهم ، فلمّا تمّت الصّلاة صاح رجل : لا إله إلّا اللّه ما أغفلك « 6 » يا كثيّر عن هذا اليوم ؟ فقال كثيّر : وما هذا اليوم ؟
فقال له : هذه جنازة عزّة ! فخرّ مغشيا عليه ، ثمّ أفاق وشهق شهقة فمات . . ودفن
هامش
( 1 ) هو : همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية . . بن تميم ، توفي سنة 110 ه ، والفرزدق لقب غلب عليه ومعناه القطعة من العجين قبل أن تبسط فيخبز منها الرغيف . شبه وجهه بذلك لأنه كان غليظا جهما . روي عنه حضور البديهة وسرعة الخاطر .
( 2 ) في المطبوعة ( يلتف ) ، وفي الهامش ما نصه : ( في الأصل « يلتفى ) والصواب ما أثبت .
( 3 ) في الأصل ( عزاب ) .
( 4 ) في الأصل ( بأنه ) .
( 5 ) في الأصل ( أوريشة ) .
( 6 ) في الأصل ( أعقلك ) .