ولد بدمشق في سنة خمس وسبعين وألف ، ونشأ في حجر أخيه المولى علي العمادي المفتي . ومات والده وسنّه أربع سنين . فنشأ في رفاهية وصيانة .
وقرأ القرآن ثم اشتغل بطلب العلم . فأخذ الحديث عن الشيخ أبي المواهب الحنبلي ، والفقه والنحو والمعاني والبيان عن الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ عثمان القطان والشيخ نجم الدّين الفرضي والشيخ عبد اللّه العجلوني نزيل دمشق . وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي المغربي والشيخ إسماعيل الحايك المفتي وعلاء الدّين الحصكفي المفتي والشيخ محمد بن سليمان المغربي . وبرع في الفنون ، وساد وتقدم . وبهرت فضيلته . واشتهر وعلا قدره .
وولي تدريس السليمانية بالميدان الأخضر بعد وفاة أخيه ، ثم تولى إفتاء الحنفية بدمشق في أول سنة إحدى وعشرين ومائة ، فباشرها بهمّة عليّة ، ونفس ملكية ، ورياسة وإكرام ، وقيام بأمور أهل العلم واهتمام . ودرّس بالسليمانية في كتاب الهداية . وانعقدت عليه صدارة دمشق الشام .
وكان بهيّ المنظر ، جميل الهيئة - يملأ العين جمالا ، والصدر كمالا - بارعا في النظم والإنشاء ، له الشعر الرائق النضير . فإذا نظم خلته العقود . وإذا أنشا ، زيّن الطروس بجواهره ووشّى .
وكان معظما مقبول الشفاعة عند الحكام والوزراء والقضاة وغيرهم . وكان سمح اليد سخيا جدا . وفيه يقول أحد مادحيه :
يد العمادي سماء ممطر ، ويد ال * عباد أرض تراها تطلب المطرا
فكم غروس أياد أنبتت فغدا * حسن الثناء ثمارا تدهش الفكرا
وقال فيه :
قلت للفضل لم علوت الثريّا * وتساميت فوق رأس العباد ؟
قال قد شادني محمد فاسكت * لا عجيب فإنّ ذاك عمادي
وترجم المترجم الأمين المحبي في ذيل نفحته « 1 » وقال في وصفه :
عنوان الشرف الوافي ، وحظ النفوس من الأمل الموافي . ومن طلع أسعد طالع في تمامه ، فتستّر البدر خجلا منه بذيل غمامه . فوردت طلائع المدائح عليه . تقرأ سورة الحمد إذا نظرت إليه . ومحله من ناظر المجد في أماقيه . ومقامه ما بين حنجرته وتراقيه . ففضائله أنطقتني بما نظمته فيه من الغرر ، فكنت كمن قلّد « 2 » البحر من فرائده بعقود الدرر . وقد سلم أن يشوب باله غرض ، لأن جواهر الأغراض عنده كلّها عرض . فحضرته أرّجت الأرجاء بطيب شمائله . وقد راض الرياض فأصبحت راضية عن صوب أنامله ، بحديث يمدّ في الآجال .
هامش
( 1 ) أول الجزء السادس حتى الصفحة 26 ، ومنه أجرينا بعض التصحيحات الواردة فيما يلي .
( 2 ) في الأصل قدّر ، والتصحيح من النفحة .