العالم الشيخ عبد الرحمن بن مصطفى البكفلوني الحلبي حين عوده من المدينة المنوّرة ، بعد مجاورته بها ، اصطحبه وأخذ عنه وقرأ عليه وكتب له ثبته بخطّه وأجازه بجميع مرويّاته .
وكانت مدّة صحبته معه ستّ سنوات .
وأيضا لما قدم دمشق المحدّث الشيخ محمد عقيلة المكّي قرأ عليه وخدمه مدّة إقامته بدمشق .
ولمّا حجّ إلى بيت اللّه الحرام ، المترجم ، اجتمع بالمذكور ثمّة في داره بمكّة ، وأجازه بجميع مروياته .
ثم اشتهر بالتصوّف وعلم الحقيقة . ودرّس في زاويته تجاه الشيخ محمد الحميري رضي اللّه عنه ، في ميدان الحصى . وصار يقيم الذكر في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظم التي بناها في سوق الخياطين بالقرب من المحكمة .
وألّف وصنّف . ومن تآليفه : شرح قصيدة أبي الحسن الششتري . ومنها : الفوائد المستجادات الشرعيّة . وملخّص علوم الفتوحات المكيّة . ومنها : شرح مختصر الرسالة العظيمة المسمّاة ب « ذخيرة الإسلام » . ومنها : ترجمة مختصرة في بيان سنّة تلقين الذكر .
ومنها : الفتوحات الربانية في شرح التدبيرات الإلهية . ومنها : الهداية والتوفيق في سلوك آداب الطريق . ومنها : السهام الرشيقة في قلوب الناهين عن علم الحقيقة . ومنها : كشف الأسرار في حلّ خيال الأبزار . ومنها : ديوان شعره الذي سمّاه فتح الملك الجواد في نظم الحقائق ومدح الأسياد . وقد اطّلعت عليه فرأيته ديوانا كبيرا ، والأغلب فيه ، بل كلّه ، على لسان القوم . وقد ذكر به أشياء عام فيها أيّ عوم . وقد تصفّحت أغلبه . وكان من أحباب جدّي ووالدي ومتردديهما . ومن شعره قوله :
لنا العلم والتحقيق والمورد الأصفى * وأرواحنا بالأمر والأمر لا يخفى
ونحن على العهد القديم ولم نزل * ومن يبتغي التبديل لا يأمن الحتفا
تجلّى علينا اللّه بالوصف ظاهرا * وبالحلم والإحسان جاد لنا كشفا
سلكنا به أوج العلا وقلوبنا * على الصدق والإيمان لم تألف الخلفا
وفيه تركنا المزج من كلّ مازج * فطاب تراب الوصل منه لنا صرفا
ومنه رأينا الوجه فينا بنوره * ولولاه ما كنّا وجود أوّلا وصفا
ولولاه ما بعنا النفوس بحبّه * ولولاه ما نلنا المسرّة والإلفا
سقانا من التحقيق عذبا مقدّسا * لديه فؤاد الصبّ يشربه لطفا
هو العلم علم الدّين دين محمد * هو النّور نور اللّه قد جلّ أن يطفا
وما عندنا شكّ بعلم لظاهر * هو الحكم بالمنصوص فالحكم لا ينفى