ثم رحل للروم إلى دار الخلافة قسطنطينية واستوطنها ، وسلك بها على طريق القضاة ، وتخلّص على طريقتهم بمخلّص جميل . ومهر باللغة التركية والكتابة بها . وتردّد إلى أعيان الدولة ، وتولّى النيابات .
وترجمه الشيخ سعيد السمّان ، وقال في وصفه :
هو ممّن هذّبه الزّمن . وشرى من الأدب ما هو غالي الثمن . واستسقى من ماء النباهة حتى ارتوى . واحتوى من القيافة على ما احتوى . بلسان حديد زلق ، ومنطق سهل طلق . يكاد يقدح بعضه من بعض جمرا ، ويأتي من مخترعاته أمرا أمرا . وهو يقع ويقوم . ويتجرّع ما هو أمرّ من الصاب والزقّوم . ونفسه تحدثه بالرفعة ، وأفكاره تسوّل له من الحضيض رفعة . إلى أن أفاق الدهر من غشوته . ولان لحاله بعد قسوته . فأسنده إلى بعض الرؤساء . ولم يدخل في زمرة البؤساء . فمنحه بما ارتضاه ، حتى أدخله في سلسلة القضاة .
وقد أطلعني على قطع من نظمه الذي كعقود الجمان . ونثره القائل لسان حاله إنّه من سليمان . وسأتلو عليك ما هو ألذّ من لبن لم يتغيّر طعمه . ولم يتخطّ الإصابة سهمه . فمن ذلك قوله مادحا ومؤرّخا تقليد منصب الفتيا في الروم ، للمولى محمد بيريزاده ، المعروف بصاحب ، وهو :
ألا هكذا ترقى هضاب المناصب * وفي مثله يزدان صدر المواكب
علوت على بهرام عزّا ورفعة * وفقت سموّا فوق أعلى الكواكب
جزى اللّه عنّا كلّ خير إمامنا * وخلّده في الملك ربّ المراتب
أبان سناء الشرع من أفق ماجد * تدين له العلياء من كلّ جانب
وقد لاح ثغر الدّين وافترّ ضاحكا * سرورا بما أسدته أيدي المواهب
ولما غدا للناس في كلّ نعمة * وليّا أطافوا حوله للمطالب
وقد جمّعوا تاريخه ونعوته * بأشرف بيت فاق لمع الثواقب
بهاء وإفتاء وحزم بسؤدد * وسعد بإقبال وعلم بصاحب
وقوله في تاريخ عذار :
هذا عليّ جوده * في الأرض سحّ غمامه
هذا الوحيد بعصره * قد أقبلت أيّامه
ما الورد إلّا خدّه * حفّ به نمّامه
ما الصبح إلّا وجهه * تبدو لنا أعلامه