ومن ذلك تضمين الفاضل الأديب المولى إبراهيم بن عبد الرحمن العمادي الدمشقي :
لقد وعدت زيارتنا سليمى * وقد قلّ التصبّر والقرار
فوافت بعد حين وهي سكرى * ترنّحها الشبيبة والوقار
فريعت من تبلّج صبح شيبي * وقالت : لا أزور ولا أزار
فقلت لها : ولم تعدين صبّا * كئيبا قد براه الانتظار ؟
فغضّت طرفها عنّي وقالت : * « كلام الليل يمحوه النهار »
وأصل ذلك ما نقل أنّ أمير المؤمنين الرشيد هجر جارية ، ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى ، وعليها رداء خزّ ، وهي تسحب أذيالها من التيه . فراودها فقالت : يا أمير المؤمنين هجرتني هذه المدّة ، وليس لي علم بموافاتك ، فانتظر حتى أتهيّأ للقياك وآتيك بالغداة . فلمّا أصبح قال للحاجب : لا تدع أحدا يدخل عليّ . وانتظرها ، فلم تجىء . فقام ودخل عليها ، وسألها إنجاز الوعد ، فقالت : يا أمير المؤمنين كلام الليل يمحوه النهار .
فخرج واستدعى من بالباب من الشعراء . فدخل عليه الرقّاشي ومصعب وأبو نواس . فقال :
أجيزوا : « كلام الليل يمحوه النهار » . فقال الرقّاشي :
أتسلوها وقلبك مستطار * وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبّا مستهاما * فتاة لا تزور ولا تزار
إذا ما زرتها وعدت وقالت : * « كلام الليل يمحوه النهار »
وقال مصعب :
أما واللّه لو تجدين وجدي * لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أنّ العين عبرى * وفي الأحشاء من ذكراك نار
تبسّم ضاحكا من غير ضحك * « كلام الليل يمحوه النهار »
وقال أبو نواس وأجاد :
وليلة أقبلت في القصر سكرى * ولكن زيّن السّكر الوقار
وقد سقط الرّدا عن منكبيها * من التخميش وانحلّ الإزار
وهزّ الريح أردافا ثقالا * وغصنا فيه رمّان صغار
فقلت لها عديني منك وعدا * فقالت : في غد منك المزار
ولمّا جئت مقتضيا أجابت : * « كلام الليل يمحوه النهار »
فقال الرشيد : قاتلك اللّه يا أبا نواس ، كأنّك كنت ثالثنا . وأمر لكلّ واحد بخمسة آلاف درهم ، وأمر لأبي نواس بعشرة آلاف وخلعة سنية .