وانصرف ! فقال : أسألك بالله إلّا أطعمتني ممّا تأكل ، فألقى إليه أبو الأسود ثلاث رطبات ، فوقعت إحداهنّ في التراب فأخذ يمسحها بثوبه ، فقال له : أبو الأسود :
دعها فإنّ الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به ، فقال : إنّي كرهت أن أدعها للشّيطان ، فقال له أبو الأسود : لا ، والله ولا لجبريل وميكائيل تدعها .
وذكروا « 1 » أنّه كان له على باب داره دكان مرتفع على الأرض إلى قدر صدر الرّجل ، فكان يجلس عليه ، ويوضع بين يديه خوان على قدر الدكان ، فإذا مرّ به مارّ ، وهو يأكل فدعاه إلى الأكل لم يجد موضعا يجلس به فينصرف ، فمرّ به ذات يوم فتى ، فدعاه إلى الغداء فأقبل وتناول الخوان فوضعه أسفل : ثم قال : يا أبا الأسود ، إن عزمت على الغداء فانزل ، وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا حتى أتى على الطعام ، فقال له أبو الأسود : ما اسمك يا فتى ؟ قال لقمان الحكيم . قال : لقد أصاب قومك حقيقة اسمك .
وأبو الأسود هذا ، هو الذي وضع علم النحو ، يقال « 2 » إنّه أتى زيادا « 3 » إذ كان أميرا على البصرة ، فقال له : إنّ الأعاجم قد خالطت العرب فغيرت ألسنتها ، أفتأذن لي أن أضع كتابا يعرفون به كلامهم . قال : لا ، ثم إنّ رجلا أتى زيادا فقال :
أصلح الله الأمير توفي أبانا « 4 » وخلّف بنون ، فقال زياد يحكيه تعجبا : توفي أبانا وخلّف بنون ! علي بأبي الأسود ، فأتي به « 5 » ( فقال ) : افعل للناس
هامش
( 1 ) الخبر في الأغاني 12 / 322 .
( 2 ) الخبر في الأغاني 12 / 299 .
( 3 ) سبق التعريف به في الصفحة 639 الحاشية 12 .
( 4 ) أب ج ش ه و : أبونا ، وجاء في الأغاني 12 / 299 : " أبانا " وهو أولى وأنسب للسياق .
( 5 ) ما بين القوسين ساقط من ج .