المستطاب ، والفصل الخطاب ، فأورد طربا وسرورا ، وملأ القصور فرحا وحبورا ، فطربنا بوروده ، وسكرنا بنغمة عوده .
فأخذ الحواس يبشر منها البعض الآخر ، ويتصرف كل منها في حصته الأوفى والأوفر .
أما الحواس الظاهرة فالباصرة غدت ترتع في تلك الرياض ، وتسبح في تلك الحياض . والسامعة تتشنف بقرطق تلك الألفاظ السحرية ، والنسائم السحرية ، واللامسة منها تقلب ذلك المنشور وتضعه تارة على العيون وأخرى على الصدور ، والذائقة تمضغ تلك الألفاظ السكرية . والشامة تستنشق منها ريا ذلك الصاحب ، ذي الأدي والمواهب .
وأما الحواس الباطنة فباتت متصرفة في مزاياه كل منها وظيفته المخصوصة ، وحصته الحصيصة . فيا لها من نضرة ، وجنة خضرة ، تحير النواظر ، وتجل عن النظائر . وتسلب المشاعر ، وتبلد كل ناثر وشاعر . وتهيج الشجون ، وتنتج الفنون ، وتذهب بالعقول . وتذهب على المنقول . وتطرب السامع ، وتزين المجامع . وتجل عن التشبيه ، وتستغني عن التنبيه ، وتصقل الأذهان ، وتكمل العرفان .
فأيم اللّه لقد تاه الشعور ، وكاد أن يفور ، فأخذتها أخذ مشتاق منتظر ، وعانقتها عناق عاشق حذر ، فطفقت أتأمل في مزاياه .
وأطالع صورا بهية من مراياه . فرأيتها أجل رتبة من أن تدرك ، وأعسر طريق يسلك ، فقلت يا للعشيرة ، انها واللّه روضة نضيرة ،
الروض النضر في ترجمة اُدباء العصر — صفحة 206
مساهمون: عثمان العمري
ص٢٠٦