متقاطرا « 1 » عليهم ، ولا برحت ديمة اللطف منساقة إليهم ، ما لفظت الأقلام بدائع الحكم ، وظهر الأدب ظهور النار على علم .
وبعد ، فيقول العبد الفقير إلى لطف ربه الغني ، عثمان الملقب بعصام الدين بن علي بن مراد بن عثمان العمري الموصلي :
اني منذ رتعت وعلمت نفسي ، وبرعت وميزت بين يومي وأمسي . يعني منذ لفظني المهد وكنت صبيا ، إلى أن صرت في مدائن الأدب هاديا وإلى معالمها مهديا ، ارضع من ثديه ما در وحلا ، وساغ مذاقه لكل الملا . فاركب من متونه كل صعب وذلول ، واطرق من مسالكه الوعرة شعاب الأطواد والتلول .
حتى اهتديت إلى ناهج طريقه الأقوم ، وعبرت إلى معارج تدقيقه الأجسم . فما عبرت طريقا من طرقه الا وانا العابث في وهاده ، ولا اجتمع اثنان الا وانا الثالث في عقد عداده .
فكل روض له بنا أزهر ، وكل ليل له بضيائنا أقمر . أنسر بمعاطاة أقداحه كل حين ، والتقط من فرائد نثاره النفيس والثمين . فانا نسيم روضها العاطر العليل ، وسلسبيل حوضها الماطر البليل . وديمتها الهاطلة الماطرة ، وسحابتها المتقاطرة الزاخرة متولعا باكتساب فوائدها التي لا تحصى ، ومعتنيا بانتخاب عوائدها التي لا تستقصى . ففي ذلك الوجد الوافر ، والشغف الذي ما له آخر . كنت أتضوع بنفيس طيبه ، وأتغزل برقيق النظم وتشبيبه . وانظم فيه عقدا وجمانا ، واستخرج من قعر
هامش
( 1 ) في الأصل متقاطر .