[ 80 - إبراهيم الجمل ]
ومنهم الشّيخ الإمام العالم العلّامة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الجمل . صفاقسي الأصل ، ارتحل إلى تونس ، وتفقّه بها ، وأخذ عن أجلة أعيانها . ومعظم صرف همّته للقرآن العظيم ، فقد حطّ رحله لديه ، وانكب عليه ، وأخذه من أستاذه الشّيخ ساسي المذكور قبله ، رواه للسّبع والعشر ، وأخذ عن أجلة أكابر بجامع الزيتونة . وكان متوغّلا في لطيف توجيه اختلاف الروايات فيستنبط منها دقائق تصقل بها الألباب ، نظّم فيه « جامعة الشّتات في عدّ الفواصل والآيات » في ثلاث عشرة مائة . وله كتاب في الوقف ، وكان شرع في نظم النّشر لابن الجزري « 127 » ، فوصل فيه إلى ثلث القرآن ، وتوفّي عنه ، وكان المنظوم المذكور في نحو الثلاثة آلاف بيت . وله تصنيف في ( كلّا ) وكيفية الوفق عليها . ذو عبادة لا يستطيع الخوض فيها إلا من جذبته أعنّة التّوفيق إلى بساط الإخلاص . وله ورد يبتديه عند قيام المؤذّن آخر اللّيل فيختمه بعد العشاء ، ولم يزل ديدنه إلى أن لقي اللّه تعالى .
وربّما إذا مرض وعجز عنه ينوب من يستوفيه ويجاعله على ذلك ، كثير الصّياح والتّجهّد باللّيل . إذا سمعت القرآن العظيم من فيه فكأنّما سمعته من الطّبقة العليا من هذا الفنّ العزيز . ألقي عليه سؤال في مسألة قرآنية من الجان ، ولم يكن معه إلا رجل صوفيّ من أهل السّرّ والبركة ، فقال للشّيخ : يا سيّدي هذه ورقة نصها الخ ، لأن الشّيخ - رحمه اللّه - كان بصيرا ، فقال له : « ائتني بدواة وقرطاس » ، وأملى عليه جوابا شافيا . وقال له : « ألقه خلفك » ولبث يسيرا فلم يجده . كان متوغلا في الصّرف والنّحو يخير منه نكات الأعاجم ، متظلّعا من اللّغة العربيّة ، عروضيا « 128 » ، ملازما روايات الحديث على دور السّنة قبل صلاة الصّبح بمسجده بسوق الفلقة ، يصلّي التّراويح كلّ ليلة برواية . وأكثر
هامش
( 127 ) هو أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن يوسف العمرى الدمشقي ويعرف بابن الجزري ، ولد بدمشق سنة 751 / 1705 . وتوفى بشيراز سنة 833 / 1429 . راجع السخاوي : الضوء اللامع 9 ، 255 .
( 128 ) خمس البردة بخمس تخاميس وثمنها أيضا والتزم في مبتدإ كل تثمين اسم الجلالة راجع السراج : مخط 2 ، 67 ب