كلما غنّت البلابل فيها * رقّص الدّمع بالبكا أجفاني
عطفتني على الرياض قدود * خلعت لينها على الأغصان
يتلقاني الأقاح ببشر * وغصون النقا عليّ حواني
أين قلبي لا أين إلّا طلولا * أذهبتها الرّياح منذ زمان
أذكرتني معاهدا وربوعا * كاد يدمي لذكرهن بناني
حيث غصني من الشباب نظير * وعيون المها إليّ رواني
أطرد النوم عن جفون نشاوى * بحديث أرق من جثماني
وقواف لو ساعد الجدّ نيطت * موضع الدرّ من رقاب الغواني
سائرات بيوتهن على الأل * سن سير الأمثال في البلدان
قصد كالفرند في صفحات الدّ * هر أو كالشنوف في الآذان
عاصيات على الطباع ذلول * يتغنّى بهن في الركبان
ساقطت والهوى يطل علينا * من عيون المها حصى المرجان « 1 »
قال السيّد بعد إيراد هذا العلق النفيس في كتابه « أنوار الربيع » :
أنظر أيها المتأمل إلى انسجام هذا الكلام ، وشرف هذا النظام ، لتعلم مصداق ( كم ترك الأول للآخر ) ويقف العقل حسيرا دون لجّ الفيض الزاخر « 2 » .
ومن قلائده :
لاثوا بوشي العصب فوق بدور * وتنقّبوا بالنور فوق النور « 3 »
وفروا جلابيب الظلام ودونهم * سعدان سود قنا وسعد خدور
يزجون مهزوز القوام إذا مشى * جالت عليه مناطق الزنبور
نشوان من خمر الشباب زها به * سكران سكر صبا وسكر غرور
لا طفته سحرا فبرقعه الحيا * بالورد فوق صفائح البلور
هل ركّت الخيلان في وجناته * أم فتّتوا مسكا على كافور « 4 »
قمر يفور النور من أطواقه * فكأنها فوّارة المنشور
هامش
( 1 ) سلافة العصر 343 - 344 ، أنوار الربيع 4 / 137 ، بعضها في نفحة الريحانة 2 / 377 - 379 .
( 2 ) أنوار الربيع 4 / 138 .
( 3 ) لاث ولثم والتثم وتلثم : شد اللثام على أنفه أو فمه . العصب : العمامة .
( 4 ) الخيلان جمع خال : شامة الخد .