ولم يسبقه أحد إلى المبالغة في برق الثغر حتى أوضح له مواضع اللثم مع حسن الاستعارة وتأمّل قول المتنبي إمام الفنّ في هذه المادة :
تبلّ خديّ كلّما ابتسمت * من مطر برقه ثناياها
حتى طرق لمن يتعصب عليه إن قال إنّها كانت تبصق في وجهه ، ومن شعره :
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى * فلاقي بها ليلا نسيم ربى نجد
فإنّ بذاك الحيّ حبّا عهدته * وبالرّغم منّي أن يطول به عهدي
شممت بقلبي شيحة حاجريّة * فأمطرتها دمعي ، وأفرشتها خدّي
ذكرت بها ريّا الحبيب على النّوى * وهيهات ذا يا بعد بينهما عندي
وإنّي لمجبول لي الشّوق كلّما * تأوّه شاك ، أو تنفّس ذو وجد « 1 »
والقصيدة التي منها :
ولقد حبست على الدّيار عصابة * مضمومة الأيدي على أكبادها
رثى بها الحسين بن علي عليه السّلام وهي من المعجزات ولا بأس بذكر ما سنح منها وهي :
هذي المنازل بالغميم ، فنادها * وامنح سخيّ العين عين جمّادها
إن كان دين للمعالم ، فاقضه * أو مهجة عند الطّلول ففادها
يا هل تبلّ من الغليل إليهم * إشرافة للرّكب فوق نجادها
نؤي كمنعطف الحنيّة دونه * شجم الخدود لهنّ إرث رمادها
ومناط أطناب ومقعد فتية ، * تخبو زناد الحيّ غير زنادها
ومجرّ أرسان الجياد لغلمة * سجفوا البيوت بشقرها وورادها
ولقد حبست على الدّيار عصابة * مضمومة الأيدي على أكبادها
حسرى تجاوب بالبكاء عيونها * وتعطّ بالزّفرات من أبرادها « 2 »
وقفوا بها حتّى كأنّ مطيّهم * كانت قوائمهنّ من أوتادها
ثمّ انثنت ، والدّمع ماء مزادها * ولواعج الأشجان من أزوادها
هامش
( 1 ) كاملة في ديوانه - ط صادر 1 / 389 .
( 2 ) تعط : تشق . أبرادها : ثيابها ، الواحد برد .