ذكر القاضي العلامة أبو محمد أحمد بن ناصر بن محمد بن عبد الحق « 1 » في ديوان شعر القاضي الشرف الحسن بن علي أنه كتب إلى السيد الهادي المذكور في أوائل شهر المحرم سنة 1078 « 2 » مباديا :
فراقكم هاج اشتياقي وأشجاني ، * وأغرى جفوني بالسّهاد وأشجاني « 3 »
وأبدى سقامي فيكم ما كتمته * وعبّر شأني في الصّبابة عن شاني « 4 »
وهيهات أن يخفى الّذي بي من الهوى * وسرّ غرامي بعدكم مثل إعلاني
أأحبابنا حتّى متى ؟ وإلى متى * أرى ذاكرا بالغيب من ليس ينساني ؟
ألا عطفة بالوصل منكم لمغرم ، * أسير الهوى صادي الجوانح حرّان ؟ « 5 »
بما بيننا من حرمة الودّ والهوى * وعقد الإخا ، فكّوا أسيركم العاني
تخذتكم دون الأنام أحبّة * وعاصيت فيكم كلّ من ظلّ يلحاني « 6 »
فكيف سمعتم ما روته حواسدي ، * وقالوه من زور عليّ وبهتان ؟
وو اللّه ما رمت التبدّل عنكم * ولا مرّ لي في القلب خاطر سلوان
وإن التسلّي والتبدّل عنكم * لأمران في دين الغرام أمرّان « 7 »
وعاهدتموني بالعقيق على الهوى ، * فأين مواثيقي ترون وإيماني ؟
ولي فيكم يوم الوداع مهفهف * جفاني فأغرى بالمدامع أجفاني
كلفت به إذ صار في الحسن واحدا * فلم يثنني عن حبّه أبدا ثاني « 8 »
وعنّفني من لم يذق كأس صبوتي * ولا بات ذا قلب كقلبي ولهان « 9 »
عفا اللّه عمن لا مني ، لو رأى الذي * كلفت به يوم العقيق لأعفاني !
هامش
( 1 ) ترجمه المؤلف برقم 23 .
( 2 ) في ديوان الهبل : « 1076 » .
( 3 ) هاج : هيج وأثار ؛ والأشجان ج شجن : الأحزان والهموم ، وأشجاني الأخيرة بمعنى : أحزنني .
( 4 ) وعبر شأني : الشأن : العرق الذي تجري منه الدموع - كما سبق ؛ و « عن شاني » أي عن حالي .
( 5 ) والجوانح ، واحدتها « الجانحة » ؛ الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر ، والحران : الشديد العطش .
( 6 ) لحاه : لامه .
( 7 ) الأمر المرير : الشديد المحكم ، ويحتمل أنه أراد بأمرين . إنهما كريهان إلى النفس .
( 8 ) كلفت به : أحببته حبا شديدا .
( 9 ) الولهان : من وله يله ولها : حزن حتى كاد يذهب عقله ، أو تحيّر من شدّة الوجد فهو واله وولهان .