وكأني بعاشقين وقد بدلت * فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبوا عنك العيون كما ينقب * ض السمع عن حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كان * وتضحى في جملة الأضداد
ومن هذه المادة قول أبي الطيّب المتنبي :
زوّدينا من حسن وجهك ما دام * فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا نصلك في هذه الدنيا * فإن المقام فيها قليل
وفي الوعظ عنه قوله :
لو فكّر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه
وعلى ذكر الرحيل الرحيل في قول الخبزأرزيّ : فقد حكى صاحب الوافي بوفيات ابن خلكان : أنه وقع في أيام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام طاعون بالكوفة ، وكان هناك رجل ينادي : الرحيل ، الرحيل ، ويقف على مرتفع في باب الكوفة ومعه قلّة كبيرة ، فكلّما مرّت به جنازة رمى في القلّة حصاة فإذا كان الليل عدّ الحصى فربّما كانت ألفين وثلاثة آلاف ، فكان أمير المؤمنين إذا خرج رآه ووقف عليه أياما ، ثم خرج يوما فلم يره ووجد عند القلّة رجلا آخر ، فقال : يا عبد اللّه أين فلان ؟ فقال : يا أمير المؤمنين وقع في القلّة ، فقال أمير المؤمنين : لا إله إلّا اللّه ، ثم قال :
ما زال يصرخ بالرحيل مناديا * حتى أناخ ببابه الجمّال « 1 »
قلت : ومن هنا لمح الصّدفي معناه في رثاء صاحب تاريخ مصر إذ قال :
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه * حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
وكتب أبو القاسم الخبزأرزي إلى بعض الرؤساء مع فصّ أهداه له :
أهديت ما لو أن أضعافه * مطرّح عندك ما بانا
كمثل بلقيس الذي لم يبن * إهداؤها عند سليمانا
هذا امتحان لك إن ترضه * بان لنا أنك ترضانا « 2 »
هامش
( 1 ) الوافي بالوفيات .
( 2 ) وفيات الأعيان 5 / 380 .