أعلم ، فعاهدته على أن أديم فيها نظرا ولا أكلّمها بما يسوؤه ، فأدخلني على أظرف خلق اللّه ، فلما رأيتها لم أتمالك وأخذني الزّمع « 1 » ، فقال لي : أسكن يا ابن الزانية ، فسكنت قليلا ، ووضع قلنسوته عن رأسه وكانت صلعته حمراء كأنّها أست قرد ، فوجدت للكلام موضعا فقلت : [ من مجزوء الوافر ] :
واري السّوأة الشوها * يا حمّاد عن خشّه
عن الأترجّة الغضّة * والتفّاحة الهشّه « 2 »
فقال : فعلتها يا بن الزانية ؟ فقالت : واللّه لقد أحسن ، فقال لها : يا زانية ، فقالت له : الزانية أمّه ! وتثاورا فشقّت قميصه وبصقت في وجهه وقالت له : ما تصادقك وتدع مثل هذا إلّا زانية وخرجنا ، وقد لقي كلّ بلاء ، فقال لي : ألم أقل لك يا بن الزانية أنك تفسد عليّ مجلسي ، وجعل يسبّني ويهجوني ويشكوني إلى أصحابنا ، فقالوا لي : أهجه ودعنا وإيّاه ، فقلت : [ من مجزوء الوافر ] :
ألا يا ظبية الوادي * وذات الحسد الرّاد « 3 »
وزين المصر والدّار * وزين الحيّ والنّادي
وحمّاد فتى ليس * بذي عزّ فتنقاد
بلا مال ولا ظرف * ولا حظّ لمرتاد
فتوبي واتّقي اللّه * وبتّي حبل عجراد
قال مطيع : فأخذ أصحابنا رقاعا وكتبوا الأبيات فيها وألقوها في الطريق ، وأخذها حكم الوادي فغنّى فيها وشاعت وهجرني مدّة « 4 » .
وقال مطيع : قال لي يحيى بن زياد الحارثي : انطلق بنا إلى صديقتي فلانة لتصلح بيننا ، وبئس المصلح أنت فدخلنا عليها فجعل يعاتبها وأنا ساكت ، فقال :
ما يسكتك أسكت اللّه ناميك ، فقلت [ من الخفيف ] :
أنت معتلّة عليه وما زال * مهينا لنفسه في رضاك
هامش
( 1 ) الزمع : شبه الرعدة تأخذ الانسان .
( 2 ) الاترجه : فاكهة حماضها يسكن شهوة النساء ويجلو اللون والكلف وقشره في الثياب يمنع السوس .
( 3 ) الراد : مخفف الرأد وهو الرخص الليّن .
( 4 ) الأغاني 13 / 307 - 309 .