وهبّوا إلى ما خوّل الدهر من يد * فكم من هبات للزمان كرام
ألا ليت شعري هل تعودن مرّة * ليالي أنس لي قبيل حمامي
وهل أقض حق الحافظين عهودهم * بعهد امرء يرعى أكيد ذمامي
وهل تسمح الأيام بالجمع بيننا * وأضرب في ذاك الجناب خيامي « 1 »
وهذه القصيدة حسنة النسج ، معجزة النهج ، وفيها متانة وقليل أن تدرك منها جمانة ، ولقد أجاد تضمين قول ابن الفارض : « أدر ذكر من أهوى ولو بملامي » .
وتصرف في النصف الآخر حتى صاغه في قالب ذهبي يترك بيوت ابن الفارض لبنا ، ويقصر مسعاه وإن حلّق في مشعر الشعر وقال : أنا وأنا .
وكتب إليه السيد أحمد بن محمد الأنسي « 2 » وكانا بالسودة في حضرة المتوكّل يذمّ السودة مباديا بشعر أثقل من ثبير ، ومن يوم العيد على فقير وهو :
هلمّ إلى المسعى الذي كان بيننا * من الأمس يا نجل المطهّر نرتمي
نزور ونزري باللوائم جهرة * ونرزأ من يرعى حمانا ونحتمي
ونوفي بنذر والوفاء سجيّتي * ومن يكرم . . . يا صاح يكرم
هلمّ وهل أرجو أنيسا ببلدة * تخلّى حماها عن حميم وأحوم
هلمّ لنطوي المهمة الموحش الذي * أملّ بأطراف الحديث المقوّم
ونضرب أعناق الهموم بصارم * من العزم يثنى عزم منجد متهم
فكم أبيض قد سوّدت وجه أنسه * من السّودة الشوها كآبة معدم
فلو أنّ ذا القرنين ناطح قرنها * لعاد نطيحا بالأصمّ المصمّم
كأن أقاصي ما سمعت من الجفا * يحدّث فيها عن قصيّ وجرهم
رحم اللّه السيد أحمد ما كان أشد تكلّفه للشعر البارد ، وذكر هذه الأبيات السيد أحمد ولم يذكر لعمّه جوابا ، وإنّما ذاك لجلالة السيد أحمد الأنسي في أعينهم فكانت مكاتبته له مما يزيد في نبله .
وكان الأمير محمد بن سنان الرومي ترك بصنعاء ابنة له محتشمة فخطبها رجل معلّم وكانت تترفع عن إجابة الأكابر ، فأنشأ السيد محمد رسالة عن لسانها أجاد فيها وبناها على التهكم كما صنع ابن زيدون المغربي وسمّاها « شفاء
هامش
( 1 ) بعض أبياتها في نفحة الريحانة 3 / 408 .
( 2 ) ترجمه المؤلف برقم 22 .