سألها : هل خرجت من الحبشة كبيرة أو صغيرة ؟ وهل ولدت ؟ فأخبرته أنها ولدت لسيدها ولدا واحدا وهو رجل من مسلمي الحبشة الساكنين ببرّ سعد الدين ، وأخبرته أنّه فقيه فاضل ، فسألها عن سبب خروجها عن ملكه ؟ وكيف باعها ؟
فقالت : لم يبعني وإنما أرسلني في بعض الأيام من بستانه إلى بيته فأخذني اللصوص ولم أستطع الخلاص منهم فأخذوني وباعوني ، فلمّا سمع ذلك تغيّر لبّه وذهل عقله خوفا من اللّه أن يطأها وهي حرام ، فشكا ذلك إليّ وإلى بعض العلماء ، فقال ذلك العالم : أما إذا صادقتها في الكلام فالواجب أن تقتصر عنها ، فعند ذلك أيس وتزايد وجده ، وهجر القوت والماء ، ولما أخبرها بذلك صرخت صرخة هائلة أبكت من في البيت وعقدت مأتما ، وقال فيها ، قصيدة رقيقة من الموشح أوّلها :
اللّه يعلم يا غزال أنّي * عليك سهران باكي العين
ثم أرسل إلى زبيد للبحث عن خبرها فأخبروه أنّه صح لهم أنّها هربت من سيدها وارتدّت ثم أخذت ثانيا من دار الحرب .
قال السيد عيسى أيضا : ومن خبره أنّه كان يفضّل المزّاح أحد شعراء تهامة في الموشح على العلوي الشاعر ويتشبّه به ، وذلك أنه رأى كأنه بجبل عرفات وإذا شخص أدم اللون حسن الهيئة دنى منه وسلّم عليه وعانقه ، ثمّ أفاضوا ، قال :
وكأني بمكّة أطوف وإذا ذلك الشخص قائم يعانقني أيضا ، قال : فقلت له : من أنت ؟ قال : أنا محبّكم عبد اللّه المزّاح ، وأخرج من كمّه شيئا وإذا به كتاب مجلد فناولني ، وقال : هذا ديوان شعري الموشّح قد وهبته لك ، فما استيقضت إلّا وقد أشرب قلبي الشعر الحميني .
قال السيّد عيسى : ومن الاتفاق أن المزّاح جرى له قبل أن يقول الشعر منام .
وهو ما حكاه البريهي في تاريخه قال : حفظ الفقيه عبد اللّه المزّاح القرآن العظيم وهو ابن اثنتي عشر سنة . وكان يحبّ الشعر ولا يحسن نظمه فجعله خاله حافظا لزرعه ، وكان في الزرع صبيّة صغيرة جميلة تسمى جملا ، فهواها وكانت تنفر عنه ، وكثر ولعه بها ، فجاءت إليه في بعض الأيام وجلست عنده تغازله ، وكانت قد أرسلت غنمها على زرع خاله ولم يشعر وبقي متعجبا من دنوها منه