وقال يمدح ابن أبي عتيق :
جزى الرحمن أفضل ما يجازي * على الإحسان خيرا من صديق
فقد جرّبت إخواني جميعا * فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع لبنى بعد صدع * ورأي جزت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي * أغصّتني حرارتها بريقي
فقال له ابن أبي عتيق : أمسك « 1 » يا أخي عن هذا الكلام فما يسمعه أحد إلا ظنني قوّادا .
* * * وسرف : بفتح المهملة وكسر الراء وفاء واد على ستة أميال من مكّة .
وابن أبي عتيق هذا : رجل من ولد أبي بكر بن أبي قحافة وكانت له نوادر ، منها ما ذكره المدائني وابن دأب : إنّ روح بن زنباع جليس عبد الملك رأى منه إعراضا وجفوة فقال للوليد بن عبد الملك : أما ترى ما أنا فيه من أمير المؤمنين من إعراضه عنّي حتى لقد فغرت السّباع أفواهها نحوي وأهوت مخالبها إلى وجهي ؟ فقال الوليد : إحتل في حديث تضحكه كما احتال مرزبان نديم سابور .
قال : وما كان من خبره مع الملك قال الوليد : كان مرزبان من سمّار سابور فظهرت له من سابور جفوة ، فلما علم ذلك تعلّم نباح الكلاب ، وعوي الذئاب ، ونهيق الحمير ، وزقاء الديوك ، وسحيح البغال ، وصهيل الخيل ، ومثل هذا ، ثمّ توصّل إلى مجلس يقرّب من خلوة الملك وفراشه وأخفى نفسه ، فلما خلّى الملك نبح نباح الكلاب فلم يشك الملك إلّا أنّه كلب وابن كلب ، فقال ما هذا ؟ فعوى عوي الذئاب فنزل الملك عن سريره فنهق نهيق الحمير ، فمضى الملك هاربا على وجهه ومضى الغلمان يتبعون الصوت ، فلما قربوا ترك ذلك الصوت ، وأحدث صوتا آخر من أصوات البهائم فاحجموا عنه ، ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه ، فلمّا نظروا إليه قالوا للملك : هذا مرزبان المضحك فضحك الملك ضحكا شديدا ، وقال : ويحك ما حملك على هذا ؟ قال : إنّ اللّه مسخني كلبا وحمارا وكل خلق لمّا غضبت عليّ ، فأمر الملك بالخلع عليه وردّه إلى منزلته وتجدّد له سرورا .
هامش
( 1 ) الأغاني 9 / 252 - 253 باختصار .