جرحته العيون فاقتصّ منها * بجوى في القلوب دامي النّدوب « 1 »
وقال بعض الأدباء : كان الناس يتشوقون إلى أوطانهم ولا يفهمون العلّة في ذلك إلى أن أوضحها ابن الرومي في قصيدته لسليمان بن عبد اللّه بن طاهر يستعديه على رجل من التجّار ، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض حدودها :
ولي وطن آليت أن لا أبيعه * وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة * كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصّبا فيها فحنّوا لذالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنّه * لها جسد إن بان غودر هالكا
قلت : لا شكّ أن ابن الرومي لم يبق بقيّة في أسباب حنين النفس إلى الوطن ، وأمّا فاتح الباب فهو الحماسي القائل :
أحبّ بلاد اللّه ما بين منعج * وبين عذيب أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليّ تمايمي * فأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
وقيل : لم تجىء في شماتة بمنكوب مثل قول ابن الرومي :
لا زال يومك عبرة لغدك * وبكت بشجو عين ذي حسدك
فلئن بكيت فطالما بكيت * بك همّة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت * إلا ليوم فتّ في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتها * ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدي * لما غدت جمرا على كبدك
ورأيت نعمى اللّه زائدة * لما استبان النقص في عددك
لم يبق لي مما برى جسدي * إلّا بقايا الروح في جسدك
وله في بعض الأمراء وقد سأله حاجة قضاها ، وكان لا يتوقّع منه خيرا :
سألتك في أمر فجدت ببذله * على أنني ما خلت أنك تفعل
وألزمتني بالبذل شكرا وإنه * عليّ من الحرمان أدهى وأعضل
هامش
( 1 ) نهاية الأرب للنويري 2 / 75 ، كاملة في ديوانه 1 / 172 .