ممطورا ، تفعل في الألباب فعل الشّمول ، وتجرّ على « ابن النّبيه » ذيول الخمول ، وتترك « القاضي الفاضل » مستثقلا منقوصا ، وتحكم لصاحبها بالرقّ على أهل الأرض عموما وخصوصا ، ولو سمعها « العماد » الكاتب لخرّ عليه السقف من فوقه ، أو « ابن حجله » لعلم إن ذلك شيء لا يدخل تحت طوقه ، أو « ابن المستوفي » لقال هذا لم يكن في الحساب ، أو « ابن البوّاب » لقال لا طاقة لي على الدخول في هذا الباب . أو « ابن حجّة » لأفنى في معارضتها عمره ، أو « الصّفدي » لما برح في صفد من الحسره ، ! فيا حسنه من مجموع غدا لفرائد الآداب جامعا ، وأصبح لأئمة الأدب قبله ، وجمع من المحاسن ما تفرّد به ، ولم يحزه مجموع بعده ولا قبله ، تودّ الأقمار لو أنّها في طاعته سواري ، والكواكب لو أنّها له عبيد ، والأفلاك لو أنها في خدمته جواري :
فدونك منه سفر لا يسامى * يجلّ عن المشابه والنظير
يجرّ على « البديع » ذيول فخر * ويحقر عنده وشي « الحريري »
ولقد أربى مؤلّفه حفظه اللّه وأيّده ، وبسط بالعدل والمعروف يده ، على « سحبان وائل » وأتى وهو الأخير زمانه بما لم يستطعه الأوائل ، وفاق الأكابر حلما على صغر سنّه وليس بعجيب . « قد يوجد لحلم في الشّبان والشيب » فاللّه يبقيه لعين الملك إنسانا ، ولهذا الدّهر في جنب إساءته إحسانا ، فهو الذي ما نشر الدّهر لأوليائه لواء عداوة إلّا طواه ، ولا جرح سيف الفقر قلبا إلّا وفي قلمه دواه ، واللّه يحرس أيامه الّتي صارت غرّة في جبهة الدّهر ، ويديم أياديه الّتي سارت مسير الشّمس في كل بلدة وهبّت هبوب الريح في البرّ والبحر ، ويبقيه في سماء الملك بدر تمام ، ويحفظ غرته الّتي غدت لمن تقدّمه من الأكارم واسطة النّظام :
واللّه ما أخّره ربّنا * وهو لأرباب المعالي إمام
إلّا لأنّ كان ختاما لهم * للّه ما أحسن هذا الختام ! « 1 »
قلت أنا : هذا المنثور العبق ، مما لا يستنبه غيره ولا يتفق ، فأمام هذا الثغر المحروس الفاضل ، وهو لا يخوض في بحره بل يقف من وصف قلعة كوكب
هامش
( 1 ) ديوان الهبل 564 - 566 .