قال الثعالبي ، بعد الثناء الذي قدر عليه : « إن المحاسن الدالة أنه رب ملك في شعره من الجزالة ، والعذوبة ، والفخامة ، والحلاوة ، ورواء الطبع ، وسمت الظرف ، وعزّة الملك . لم يجتمع لأحد قبله إلّا لعبد اللّه بن المعتز . وأبو فراس يعدّ أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام » « 1 » .
قلت أنا : لو قيل لي أيهما أشعر ؟ قلت : عبد اللّه بن المعتز في التشبيهات والخمريات ، وأبو فراس في الحربيات .
قال الثعالبي : « وكان الصاحب يقول : بدئ الشعر بملك وختم بملك ، يعني امرء القيس وأبا فراس » « 2 » .
قال : « وكان المتنبي يفرط في تعظيمه واستكثار شعره ، وإنّما لم يمدحه ومدح سواه كأبي العشائر ونحوه هيبة لشعره لا إغفالا ، وكان سيف الدولة وهو ابن عمّه مغتبطا بفضائله وآدابه ، وكان يكرمه لأدبه ويستصحبه في غزواته لشجاعته ، ويستخلفه أحيانا على أعماله لكفائته » « 3 » .
وذكروا أن سيف الدولة قال يوما في مجلسه وعنده كواكب الدهر من الأدباء : من يجيز قولي منكم وليس له إلّا سيدي أبو فراس ؟ ثم قال :
لك قلبي تحله * فدمي لم تحلّه
فبدر أبو فراس فقال :
قال إن كنت مالكا * فلي الأمر كلّه
فاستحسنه سيف الدولة وأقطعه ضيعة بأعمال منبج تغل ألفي دينار ، وكانت الروم أسرته وهو جرح في فخذه بسهم أصابه نصله في فخذه وأخذوه إلى خرشنة ثم إلى القسطنطينية سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، وفداه سيف الدولة سنة خمس وخمسين على ما ذكر أبو الحسن علي بن الزرّاد الديلمي ، وقيل : وهم ، فإنه أسر كرتين ، الأولى بمنازة « 4 » الكحل في التأريخ المذكور ، وما عدوا به خرشنة ، وهي قلعة بأوائل الروم من جهة الشام ، والفرات يجري من تحتها ، وقيل أنه وثب فرسه
هامش
( 1 ) يتيمة الدهر 1 / 35 بتصرف .
( 2 ) ن . م .
( 3 ) ن . م .
( 4 ) في الوفيات 2 / 92 : « بمغارة » .