لليلتين بقين من جمادى الأولى وقيل الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة ولّاه المستنصر تدبير أموره ودامت بوصوله الحرمة ، وصلحت به حال الدولة ، وكان وزير السيف والقلم والطيلسان والعلم ، وإليه قضاء القضاة ، وأمر الدعاة ، وساس الأمور في أحسن سياسة ، وكان وصوله أول سعادة المستنصر ، وآخر قطوعه ، ومما اتفق يوم ورد إن قارئا قرأ :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ
« 1 » ثم أمسك ، فقال المستنصر « 2 » : لو أتمّها ضربت عنقه ، ومات على حاله في ذي الحجة أو القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، ووليّ بعده الوزارة أحمد بن الأفضل أمير الجيوش .
قال صاحب الدول المنقطعة : خلف بدر من الأموال ما لم يسمع بمثله قط من ذلك ستمائة ألف ألف دينار ذهبا عينا وخمسين أردب دراهم نقدا مضروبة ، وسبعة آلاف ثوب ديباج أطلس ، وثلاثين راحلة اخفاف ذهب عراقي ، ودواه ذهب فيها جوهر قيمته اثني عشر ألف دينار ، ومائة مسمار ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس لكل مجلس عشرة مسامير ، على كل مسمار منديل مذهب عليه خلعة بلون من الألوان ، أيّها أراد لبسه ، وخمسمائة صندوق كسوة لخاصتّه من دن تنيس ودمياط ، ومن الرقيق والخيل والبغال والمراكب والطيب والتجمّل والحلي ما لم يعلم قدره إلّا اللّه تعالى ، وخلف خارجا عن ذلك من البقر والجواميس والغنم ما يستحي من ذكر عدده ، وبلغ عن ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار ، ووجد في تركته صندوقان عظيمان فيهما أبر ذهب برسم النسا والجواري .
وولد ابن شمس الخلافة في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة .
وتوفي في الثامن عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، رحمه اللّه تعالى « 3 » .
وكانت للأفضل مع السعادة في الدنيا مناقب فإنه الذي عمّر مشهد رأس الحسين عليه السّلام ، قال المقريزي : ذكر الفاضل محمد بن علي بن يوسف بن ميسران « 4 » في شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، خرج الأفضل بن أمير الجيوش في
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 123 .
( 2 ) في الأصل : « المنصور » . وما اثبتا حسب السياق .
( 3 ) وفيات الأعيان 1 / 363 .
( 4 ) في الخطط المقريزية : « بن ميسر » .