ولعمري لقد أجاد وصف الدنيا أبو عبد اللّه بن شبل البغدادي « 1 » وأحسن ما شاء بقوله :
صحة المرء للسقام طريق * وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نقتدي نموت ونحيى * أقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا * نت ولا كان صبحها والمساء
صلف تحت راعد وسراب * كرعت منه مومس خرقاء
راجع جودها عليه فمهما * يهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري هلّا تمر به الأي * أم أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يكون في عالم الكو * ن فما للنفوس منها اتّقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجس * م ففيم الشفا وفيم العناء
قبّح اللّه لذّة لشقانا * نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق * د فإيجادنا علينا بلاء « 2 »
ولكن للّه المعري الذي لم يجن على أحدكما جني عليه ، وماذا يصنع بشر ركب على الشهوة ولم يعلم حتى صار بين أنياب أم ذفر « 3 » بلا مؤامرة ولا إذن .
ولما كتبت هذه الأبيات خطر لي نظم هذين البيتين واستغفر اللّه العظيم :
قد خرجنا إلى الوجود اقتسارا * وكأنا من الخطوب نشاوى
وتساوى الأحياء في الموت طرّا * فلماذا في الرزق لا نتساوى
هامش
( 1 ) هو أبو علي ابن الشبل البغدادي ( في اسمه واسم أبيه خلاف سأذكره ) كان شاعرا حكيما فيلسوفا طبيبا متكلما نديما ظريفا . توفي ببغداد سنة 473 ه وقيل 474 ودفن بباب حرب . له ديوان شعر ، من قصائده المشهورة القصيدة التي في رثاء أخيه ، موجودة بتمامها في عيون الانباء في طبقات الأطباء ، وفي معجم الأدباء .
ترجمته في : فوات الوفيات 2 / 393 ، كشف الظنون / 766 و 813 وفيهما اسمه محمد بن الحسين ابن الشبل ، عيون الانباء في طبقات الأطباء / 333 وفيه اسمه الحسين بن عبد اللّه بن يوسف بن شبل ، معجم الأدباء 10 / 23 وفيه اسمه الحسين بن عبد اللّه بن يوسف بن أحمد بن شبل ، الكنى والألقاب 1 / 319 وفيه اسمه الحسين بن محمد بن يوسف بن شبل ، أنوار الربيع 2 / ه 326 .
( 2 ) فوات الوفيات 2 / 393 - 394 .
( 3 ) في هامش الأصل : « من أسماء الدنيا » .