فمن ذلك قوله ، يشكو طول نواه ، ويندب أوقاته بمحلّ ثواه « 1 » :
سئمت لفرط تنقّلى البيداء * وشكت لعظم ترحّلى الأنضاء
ما إن أرى في الدهر غير مودّع * خلّا وتوديع الخليل عناء « 2 »
أبلى النّوى جلدي وأو قد في الحشا * نيران وجد مالها إطفاء
فقدت لطول البين عيني ماءها * فبكاؤها بدل الدموع دماء
فارقت أوطاني وأهل مودّتى * وحبائبا غيدا لهنّ وفاء
من كلّ مائسة القوام إذا بدت * لجمال بهجتها تغار ذكاء « 3 »
ما أسفرت والليل مرخ ستره * إلا تهتّك دونها الظلماء
ترمى القلوب بأسهم تصمى وما * لجراحهنّ سوى الوصال دواء
شمس تغار لها الشموس مضيئة * ولها قلوب العاشقين سماء
هيفاء تختلس العقول إذا رنت * فكأنما لحظاتها الصّهباء
ومعاشر ما شان صدق وفائهم * نقض العهود ولا الوداد مراء
ما كنت أحسب قبل يوم فراقهم * أن سوف يقضى بعد ذاك بقاء
فسقى ربى وادى دمشق وجادها * من هاطل المزن الملثّ حياء « 4 »
فيها أهيل مودّتى وبتربها * لجليل وجدى والسّقام شفاء
ورعى ليالينا التي في ظلّها * سلفت ومقلة دهرنا عمياء
أترى الزمان يعود لي بإيابها * ويباح لي بعد البعاد لقاء
هامش
( 1 ) القصيدة في : خلاصة الأثر 2 / 192 ، سلافة العصر 309 ، 310 .
( 2 ) في الأصول :
« ما إن رأى » ، والمثبت في الخلاصة ، والسلافة .
( 3 ) ذكاء : هي الشمس .
( 4 ) في سلافة العصر : « فسقى ثرى وادى دمشق » .
والملث : الذي يدوم أياما .