إنّي لأعجب من صدودك والجفا * من بعد ذاك القرب والإيناس
حاشا شمائلك اللطيفة أن ترى * عونا عليّ مع الزمان القاسي
أو ثغرك الصافي يردّ حشاشة * تشكو لهيبا من لظى أنفاسي
تالله ما هذا فعالك في الهوى * لكن حظوظ قسّمت في الناس
انتهى كلامه .
قال ابن معصوم : قلت : وقد وقفت أنا بالدّيار الهندية على « مجموع » بخط أبي البقاء الوفائيّ الوداعيّ الحنفيّ قديم ، يقول فيه : القاضي علاء الدين علي بن فضل اللّه أبي الحسن ، صاحب ديوان الإنشاء ، أخي القاضي شهاب الدين أحمد العمريّ ، وقف على بيتين للصلاح الصّفديّ . وهما : [ الكامل ]
إني لأعجب من صدودك والجفا * من بعد ذاك القرب والإيناس
حاشا شمائلك . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلخ
فقال مجيزا لهما :
أو ثغرك الصافي يردّ حشاشتي * . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيتين
انتهى . فعلم بهذا أن البيت الذي شرحه للصلاح الصّفديّ . وقوله : إنه من أربعة أبيات ليس بصواب ؛ لإيهامه أن الأربعة الأبيات قائلها واحد ، وقد علمت أنها لشاعرين .
واللّه أعلم .
284 - عبد الملك بن حسين العصاميّ
هو بمنزلة الغرّة بين البصر والجبين ، رمقته عين العناية منذ أطلق عليه لفظ الجنين .
فنشأ متردّيا من النعمة ثوبا سابغا ، ومتروّيا من الرّفاهة شرابا سائغا . لا دأب له إلّا توسّم وفود الآداب في سوق عكاظها ، ولا شغل له إلا استكشاف وجوه المعاني المخبّأة تحت براقع ألفاظها . مشتملا بحليّ الكمالات وبرودها ، رافلا بين عقيق الفضائل وزرودها .
حتى طنّت حصاة علاه ، وعجزت حصاة حلاه . فما الدهر إلا من رواة معاليه ، وما بديع الزّمان إلّا من خدمة معانيه . وناهيك بعصاميّ النّفس والجدّ ، وماجد جدّ في المعالي فساعفه على نيله الحظّ والجدّ . وقد صحبته أيام المجاورة ، واغتنمت من نشوة المحاضرة والمحاورة . في أوقات لا أحسب من عمري غيرها ، ولا أنسى مدة عمري خيرها وميرها . وقد أخذت عنه من بدعه ، ومخترعه في محاسن الشعر ومبتدعه ، ما تتوالد من غصون حضيرته « 1 » ولدان القريض ، وتقتطف أزهار الأدب الغضّ من غصون
هامش
( 1 ) الحضيرة : جماعة القوم .