فرّقت بين روح وجسد ، وخلّت بين تشفّ وحسد .
فأصيب في ذخائر كان عبّأ خباياه منها ، وسلمت ولله الحمد نفسه التي لا عوض عنها .
وإذا بقيت النفس فلا التفات إلى الفان ، وهي الأيام ليست إلّا إغفاة أجفان .
فبقي بعدها منزويا ، وفي خير الخير كما كان منطويا .
ولم يغفل لسانه عن شكر ، ولا شاب فيها حالته المعروفة بنكر .
حتى طوى الحمام محاسنه الفاخرة ، فالله يعوّضه عن لذّات الدنيا بنعيم الآخرة .
وقد ذكرت من آثار قلمه ما يروى لشرف الناظم ، والمنسوب يصير عظيما بالنّسبة إلى الأعاظم .
فمن ذلك ما كتبه على طومار يشتمل على كرامات أبي الغيث القشّاش التّونسي :
[ الطويل ]
أرى أسطرا في ضمن تلك الرسالة * جداول من بحر الحقيقة سالت
ومن منبعي علم اليقين وعينه * أسالت معين الحقّ أيّ إسالة
وفيها جلت حالات حبّ كأنها * طواويس جنّات تجلّت وجالت
وفي ضمنها تنشيط أهل محبّة * وتنبيه تعبير لأهل البطالة
أبو الغيث نعم الغوث خير وسيلة * إلى من به قد كان ختم الرسالة
قلت : أبو الغيث هذا آية الله الكبرى في الفنون ، والنائل من مقامات القرب والتخصيص ما لا تتخيّله الأوهام والظنون .
ومن أراد استقصاء أحواله ، فعليه بتاريخي فهو موشّى بذكر أفعاله وأقواله .
وكتب على فرائض العلاء الطّرابلسيّ ، الإمام بجامع دمشق : [ الطويل ]
كتاب نفيس للفوائد جامع * مفيد لطلّاب المسائل نافع
على حسن ترتيب تحلّى مجمّلا * فقرّت عيون للورى ومجامع
بدا معجبا إذ لم تر العين مثله * به نور آثار الفضائل لامع
لجامعه فخر الأئمّة سؤدد * لرايات أنوار المكارم رافع
أفاض عليه الربّ من سحب جوده * فبحر عطاه الجمّ للخلق واسع
فسدّد من جمعه وأحسن ، وأمعن فيما جمع وأتقن .
حيث أتى بمختصر حسن ، في تلخيص مطوّلات هذا الفن .
ولما أجلت نظري في ربوة حسنه وبهجته ، وشممت من جانب واديه عرف شميمه ونفحته .