فما قصرت له في أمر يدان ، وعنده انطفا قنديل سعدان .
فبوجهه مرآة النهار تصقل ، ولديه تربط الأماني وتعقل .
وله في الصدارة تثبّت الجبال ، والاستقلال الذي ينسي الماضي منه الاستقبال .
فلو لا مهابته إذا أقبل ، لانتظمت على أذياله القبل « 1 » .
وكان دخل الشام حاجّا فابتهجت بأضواء سعادته ، وقارنت السعد الأكبر في بدء أمره وإعادته .
وفي رجعته إليها قابله البريد بمنصب الفتيا ، ودعاه الدهر إلى هذا المقام الذي وقفت عنده العليا .
فنادته المعالي لبّيك وسعديك ، واليمن والنّجح كما تشاء في يديك .
ولم يزل في هذا المركز حائزا رتب الكمال ، وعلى مشرع مجده تحوم طيور الآمال .
إلى أن وقعت فتنة بين العسكر ، اغبرّ لها أفق الكون وتعكّر .
ثم انتهت إلى قتل السلطان عثمان ، فانحرف عنه وعن آل بيته الزمان .
ولم يطل به العمر حتى طلحه وأنضاه « 2 » ، وأغمده في قراب القبر الذي انتضاه .
فلا زالت رحمة الله وبركاته ، تحيّيه ما دامت تقلّ الفلك حركاته .
وقد أوردت من شعره قطعة خضع لها البيان وسلّم ، وهي قوله في التوسّل بصاحب الشفاعة صلّى اللّه عليه وسلم : [ الرمل ]
يا رسول اللّه أنت المقصد * أنت للرّاجين نعم المسند
كلّ من ناداك فيما نابه * فاز بالإسعاد فيما يقصد
قد أتى مستغفرا مستشفعا * عبدك المسكين هذا أسعد
مستغيثا شاكيا من نفسه * باكيا مما جنت منه اليد
منك فتح الباب أرجو ضارعا * قارعا أبواب فضل ترصد
منك يا غيث النّدى أرجو الهدى * إن في الأحشاء نارا توقد
مسّني ضرّ وكرب مزعج * في الليالي بالتّوالي أسهد
طال أيام التنائي والأسى * يا طبيب القلب أنت المنجد
يا حبيب القلب بالله الذي * غيره سبحانه لا يعبد
بالذي أعطاك قدرا عاليا * ما لمخلوق إليه مصعد
هامش
( 1 ) القبل : في الأصل إقبال إحدى الحدقتين على الأخرى . ا . ه اللسان مادة ( قبل ) واستعاره هنا إلى اقبال العيون إلى المذكور .
( 2 ) طلحة : أتعبه وأعياه . اللسان ( طلح ) .
أنضاه : انتضا ، السيف : أخرجه من الغمد . ا . ه اللسان ( نضا ) .