واحد الزمان ، وثاني النّعمان .
طلع شمسا في فلك الفتيا فلما قابل أرضه البدر انخسف ، ودار كل شهر على لقاه فلما آيس انتحل بل امتحق من الأسف .
فشعشت الآفاق منه غرّة في جبين المجد مشرقة ، واستقرّ به في ذلك المركز شخص لم يدخل العلوم من باب واحد بل دخلها من أبواب متفرّقة .
فأطاعته الدولة إطاعة المملوك لمالكه ، ونفذت كلمته نفاذ كلمة المليك في ممالكه .
في رياسة مطارح ظلالها حرم ، وكلّ فعالها جود وكرم .
فلم يدع لفضل الفضل ذكرا ، وترك معروف يحيى بن خالد نكرا .
بل لم يبق لكعب ، من علوّ كعب .
وأنسي دعوة حاتم ، بأيّ مادح وخاتم .
تتنفّس الأسحار عن آثاره ، وتتبسّم الأماني عن جوده وإيثاره .
والدنيا مشرقة بلألاء وجهه المضي ، والأيام تغضب إذا غضب وترضى إذا رضي .
وقد ضمنت مساعيه أن يشكر ، وأن لا تعذب الأفواه حتى يذكر .
وله القدر الذي استخدم الأنام ، واستعبد الليالي واسترقّ الأيام .
إذا أقبل في كوكبه وجلاله ، تسجد الأجفان لتعظيمه وإجلاله .
فرأيه سراج الملوك ، وذلك من نظمه الذي هو نظم السّلوك .
وهو في الأدب أوحد من لان له الكلام ، فإذا أمسك القرطاس اختصمت أفواه الدّوي في تقبيل أقدام الأقلام . [ الكامل ]
يستوقف العليا جلالا كلّما * سجد اليراع بكفّه تبجيلا
لا تستنير به المعالي غرّة * حتى يسيل به النّدى تحجيلا
وكل من كان في عصره ، فهو هاصر غصن الأدب من محلّ هصره .
وأكثرهم عليه تخرّج ، وفي بستانه تأرّج « 1 » .
ومن طبعه اكتسب ، وإلى طريقه انتسب .
فرياض أفكاره باسمة الثغور عن شنب المعاني والألفاظ ، وغياض أشعاره متفتّحة عن ورد الخدود ونرجس الألحاظ .
تهزّ أعطافها ارتياحا به القوافي ، وتحثّ لها النّدمان أكؤسها على الغدران الصّوافي . [ البسيط ]
مستظهر بعبارات وألسنة * تفتّتت كالرياض الغرّ ألوانا
هامش
( 1 ) تأرّج : الأرج : الرائحة الطيبة . ا . ه اللسان ( أرج ) .